أمير تاج السر*

من المؤكد أن رحيل الكاتبة الجزائرية الكبيرة آسيا جبار منذ عدة أيام في فرنسا، حيث كانت تعيش وتكتب بلغة الفرنسيين، يشكل خسارة كبيرة للأدب العربي، ويقلل من حجمه وسط الآداب الأخرى.

فآسيا جبار وأمين معلوف وغيرهما من العرب الفرنكفونيين، لم ينقطعوا بأجواء كتابتهم عن بلادهم الأصلية قط، والمتابع لنتاج معلوف خاصة يجده عربيا خالصا، وأيضا تراثيا في تلك الكتب التي استوحاها من التاريخ العربي والإسلامي، مثل سمرقند، تلك الرواية الرائعة، وصخرة طانيوس وغيرهما.

إن كان أمين معلوف الذي دخل الأكاديمية الفرنسية للفنون مؤخرا معروفا في البلاد العربية بشدة، فذلك لأن هناك دار نشر كبرى تولت شراء حقوق كتبه وترجمتها إلى العربية بمجرد صدورها، وأعني دار الفارابي اللبنانية، وأذكر أنهم ترجموا له العام الماضي روايته الأخيرة "التائهون"، وكانت من أعماله الراقية بلا شك، وحصلت على اهتمام خاص من القراء العرب، بعكس زميلته في الأكاديمية منذ زمن آسيا جبار التي نالت احتفاء وتكريما كبيرا ورشحت لجائزة نوبل عدة مرات، لكن لم تحصل عليها مع الأسف.

آسيا والمكتبة العربية
أردت القول إن آسيا كتبت كثيرا وأخلصت لمشروعها الروائي بلا شك، ولكن لم تكن تملك حظ أن تتبنى دار نشر جيدة رعاية إنتاجها عربيا وتغذية المكتبات به، بحيث لا يفاجأ كثيرون مثلما حدث عند إذاعة خبر رحيلها، بأن هناك كاتبة عظيمة كرمت في الغرب وبالكاد قرأها قليلون في وطنها العربي.

يوجد كتاب كثيرون مثل آسيا جبار يكتبون بلغات الغرب المختلفة، مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وحتى الإسبانية والبرتغالية، ولكن لا يصلنا صيتهم ولا صيت المجد الذي حققوه

شخصيا لم يصادفني كتاب لآسيا في المكتبات العربية، ولم يصادفني أي حوار أجري معها عن تجربتها الكتابية، ولا حتى ذكرت في تلك الإضاءات التي تكتب من حين لآخر، منوهة بكتابنا العرب المهاجرين، أو الذين يكتبون بلغات أخرى، لكني عرفت أن عدة روايات ترجمت لها، ونشرت في دور نشر محلية في الجزائر، وبالتالي لم نستطع الحصول عليها هنا في المشرق.

لكن الغريب فعلا ومع انفتاح العرب مؤخرا على الثقافة الغربية، والتقرب لمبدعين غربيين أو مبدعين عرب يقيمون في أوروبا ويكتبون بلغاتها، وأصادف في معرض الكتب أدباء من كل مكان، لم أصادف آسيا جبار، وكان من المفترض أن تكون من طليعة الذين تتم دعوتهم، والذين يترجمون في مشاريع الترجمة التي تدعمها مؤسسات كبرى.

يوجد كتاب كثيرون مثل آسيا جبار يكتبون بلغات الغرب المختلفة، مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وحتى الإسبانية والبرتغالية، هناك من العرب من كتب بها وحقق مجدا ما، ولكن كما أوضحت، لا يصلنا صيت أولئك ولا صيت المجد الذي حققوه، إلا نادرا وبمجهودات فردية منهم، وعلاقات خاصة تجمعهم بأوطانهم الأصلية.

والمدهش أن بعضهم يصبح نجما حين يقترن اسمه بآراء متطرفة وإساءات ما للدين أو المجتمع العربي، وتقام ضجة أو مظاهرة ضده في البلاد العربية مثلما حدث مع الجزائري الشاب كمال داود في الأشهر الأخيرة.

لقد كتبت بكل وضوح عقب وفاة آسيا جبار بأنني لم أقرأ كتابا لها، وكتب لي قراء عديدون وحتى كتاب روائيون وشعراء اعترفوا بأنهم لم يقرؤوا لها أيضا، وهناك من لم يسمع بها أصلا، وكان الأمر سيكون مستغربا لولا أننا في وطن ليس فيه شيء مستغرب على الإطلاق، إذ يوجد لدينا مبدعون يكتبون بالعربية، ولهم عشرات الكتب، ويوجد قراء عاكفون على القراءة ومتابعة إصدارات الكتب، ولم يسمعوا بأولئك المبدعين.

من المفرح أن الزميلة ليلى أبو العلا -التي تكتب بالإنجليزية وحققت شهرة جيدة غربيا- من أولئك الذين نالوا حظا من التواجد في ثقافتنا العربية، وكل ذلك بمجهود فردي لا دخل لمؤسسة كبيرة أو صغيرة فيه.

مبدعونا في الغرب
ومعروف أن ليلى كانت -وما تزال- كاتبة سودانية أصيلة كتبت عن المجتمع السوداني وتغيراته، وكتبت عن المرأة السودانية والمرأة المسلمة حين تحتك بثقافة الغرب، وتعتبر روايتها الأولى "المترجمة" التي نقلها إلى العربية المثقف الراحل الخاتم عدلان، من الأعمال الكبيرة الموحية بشدة. كما أن روايتها الأخيرة "زقاق المغني" المستوحاة من سيرة الشاعر السوداني حسن عوض أبو العلا، من الأعمال الدرامية المؤثرة.

رحيل آسيا جبار برغم ما يشكله من خسارة كبيرة قد لا تعوض بسهولة، يفتح الطريق لبدء علاقة جديدة بيننا وبين كتابنا الذين فارقونا في اللغات ولم يفارقونا في تبني ظواهر المجتمع وتغيراته

من جيلنا الكتابي ولكن باللغة الإنجليزية، هناك السوداني جمال محجوب الذي حقق تجربة روائية ممتازة، وله بصماته الكبيرة في أعمال مثل "السفر مع الجن" و"الأزرق النوبي" وغيرهما، وهو أيضا يكاد يكون غير معروف على الإطلاق بالنسبة للقراء العاديين بالعربية، وحتى أعماله المترجمة لم تكن ترجمتها جذابة كما لو أنها قرئت باللغة الأصلية.

الملاحظ أن معظم هؤلاء الكتاب تأثروا بوجودهم في الغرب من ناحية اللغة التي يكتبون بها، أي الأداة الوسيطة بين إبداعهم ومتلقيه، ولم يتأثروا برصد الحياة الغربية كما يعيشونها، وهذا يؤكد ما أكرره دائما بأن المنبع الأصلي للمخزون الإيحائي لدى المبدع يظل هو المحرض الأساسي الداعم لكتابته في أي وقت، ونادرا ما تجد كاتبا يتنصل عن ذلك المنبع، ليغتسل من منابعه الجديدة أو البديلة بعد أن فارق وطنه. وبرغم ذلك لا ينجو تماما، وتشم في كتابته رائحة تربته الأولى.

وهذا ما ألاحظه مثلا عند ميلان كونديرا التشيكي الذي يكتب بالفرنسية، فدائما ما أشم رائحة أوروبا الشرقية في كل ما أقرؤه له.

أعتقد أنه من المهم للقارئ العربي العادي الذي لم يصله صيت بعض كتابنا الذين حققوا انتصارات جيدة للثقافة العربية، أن يعرف أن هناك من وصل إلى القوائم القصيرة لجائزة مان بوكر العالمية، مثل المصرية أهداف سويف صاحبة "في عين الشمس"، والليبي هشام مطر صاحب الرواية البديعة "في بلاد الرجال"، وغيرهما ممن حصل على جوائز غربية بالفعل.

رحيل آسيا جبار برغم ما يشكله من خسارة كبيرة قد لا تعوض بسهولة، يفتح الطريق لبدء علاقة جديدة بيننا وبين كتابنا الذين فارقونا في اللغات ولم يفارقونا في تبني ظواهر المجتمع وتغيراته، ومحاولة رصدها، وأيضا في الأخذ من منابع الثقافة العربية والإسلامية، مع الأمل أن تترجم أعمال لآسيا ولكثيرين غيرها يستحقون أن يعرفوا عربيا.
______________
روائي وكاتب سوداني

المصدر : الجزيرة