نزار الفراوي-مراكش

يقدم المخرج الشاب ميرجان بوشعيا أسلوبا جريئا في إنجاز فيلمه الطويل الأول "فيلم كثير كبير" متلاعبا بحدود الواقعية والفانتازيا، الدراما والكوميديا، لرسم ملامح وجه لبنان، البلد المنهك بالأعطاب الاجتماعية والسياسية.

وعرض الفيلم -وهو إنتاج مشترك لبناني قطري- برعاية مؤسسة الدوحة للأفلام في إطار المسابقة الرسمية من الدورة الحالية للمهرجان الدولي للفيلم في مراكش، وقوبل بتجاوب طيب من لدن جمهور متعدد الجنسيات.

وتكمن جرأة العملية الإخراجية في إقدام ميرجان بوشعيا -وهو خريج الأكاديمية اللبنانية للفنون ببيروت- على المزج بين الأنواع الفيلمية داخل العمل ذاته الذي ينطلق في شكل يوحي بأنه فيلم حركة وتشويق يدور حول عالم عصابات المخدرات، ثم لا يلبث أن يدخل عالم السخرية والموقف الكوميدي ذا النبرة الناقدة للواقع الاجتماعي والسياسي اللبناني.

هي قصة الأخوة الثلاثة، كبيرهم زياد، ثم جو وصغيرهم جاد، يديرون مطعم بيتزا إرثا عن الوالد المتوفى، وخلف المطعم تنمو عمليات اتجار في المخدرات التي تدس مع علب البيتزا المسلمة إلى الزبائن، هنا لا يخرج الفيلم عن الصيغة المعتادة في السينما العالمية التي تتمثل في خلق الاختلاف في الخيارات بين الإخوة لتفجير صراعات درامية تخدم الفيلم.

فعلا، يحاول زياد المضي إلى الإمام في التجارة الممنوعة وضمان مستقبل جيد لأخيه الأصغر الذي كان قد دفع سابقا ثمن مواجهة تورط فيها شقيقاه بحيث قضى في السجن خمسة أعوام. في المقابل، يسعى جو إلى النأي بنفسه عن هذا العالم والاكتفاء بمردود عمله في فرن البيتزا.

لقطة "فيلم كثير كبير" الذي اعتمد فيه المخرج على المزج بين الأنواع الفيلمية (الجزيرة)

أما المنعطف الرئيسي للفيلم فيتسارع حين يدخل المخرج في لعبة السينما داخل السينما.. كيف ذلك؟ يكتشف زياد من خلال صديقه المخرج قصة واقعية حدثت بتوظيف شركة إنتاج لأسطوانات الأفلام لتهريب المخدرات، على اعتبار أن تراخيص التصوير تجعل هذه الأسطوانات غير قابلة للتفتيش في المطارات، لأنها معرضة للتلف تحت أشعة جهاز الفحص، يقرر خوض تجربة إنتاج فيلم من أجل الحصول على الترخيص واستغلال الأسطوانات لتهريب المخدرات إلى أربيل، هنا تتناسل المواقف الكوميدية السوداء.

نظرة المجتمع إلى السينما، ومعاناة الفن السابع من هيمنة دخلاء على المهنة، وأكثر من ذلك فساد النخب السياسية (فزياد سيتحول من منتج إلى مرشح للانتخابات البرلمانية)، ثم المسألة الطائفية التي يتعرض لها العمل من خلال قصة الفيلم المزيف (العلاقة بين مسلمة ومسيحي)، فضلا عن استخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية (زياد يفتعل انفجارا في موقع التصوير لإثارة الانتباه إليه كمنتج سينمائي وبطل يواجه الإرهاب).

قد يؤخذ على الفيلم تضخم الحوار بشكل كبير، بحيث يمكن التخلص من كثير من الزوائد من دون التأثير على انسجام السرد ومساره الخطي، وأحيانا السقوط في استسهال اللعب بحدود الكوميديا والواقعية، لكن الانطباع العام عن الفيلم يبقى إيجابيا، ويكشف موهبة سينمائية ينتظرها مستقبل واعد في عالم الإخراج.

ولا يمكن أيضا إغفال التنويه بأداء الشخصيات الرئيسية في الفيلم، والذي عكس عملا جيدا على مستوى إدارة الممثلين من أجل ضبط انفعالات تنتقل من أسلوب تعبيري إلى آخر بسلاسة وتمكن.

وقد قام بتشخيص الأدوار الرئيسية كل من آلان سعادة وفؤاد يامين وطارق يعقوب وألكسندر قهوجي ووسام فارس وجورج حايك وفادي أبي سمرة، فضلا عن ظهور الإعلامي مارسيل غانم لأول مرة في فيلم سينمائي.

المصدر : الجزيرة