نزار الفراوي-مراكش

جدل متجدد يصاحب مهرجان مراكش الدولي للفيلم الذي تتواصل دورته الـ15 إلى غاية 12 ديسمبر/كانون الأول الجاري، بين مرحب بقصة حدث حافظ على استمراريته وإشعاعه الدولي، ومنتقد يؤاخذ عليه سلبيات لم يستطع تجاوزها، خصوصا علاقته بمحيطه السينمائي المحلي.

لا ينازع أحد في كون المهرجان كرس نفسه واحدا من أقوى المواعيد استقطابا لنجوم السينما من هوليود وبوليود والعالم العربي وأوروبا وآسيا، وهو أمر محمود في نظر الكثيرين ممن يعتبرونه واجهة للانفتاح على الصناعات السينمائية والتلاقح بين الثقافات عموما، بينما تكمن على هذا الصعيد ذاته نقطة إشكالية تتعلق -وفق البعض الآخر- بتهميش البعد المحلي والعربي في التظاهرة، ولكل موقف حجج وحيثيات.

انفتاح على العالم
لقد انطلق مهرجان مراكش مباشرة بعد أحداث 11 سبتمبر، ونجح في حينه في جلب أسماء كبيرة من نجوم الصف الأول في هوليود، ولا يزال محافظا على هذه القوة الاستقطابية التي تدافع عن فكرة أساسية مفادها أن بلدا عربيا مؤهل لاحتضان تظاهرة يوحد فيها الفن أناسا من ثقافات وديانات مختلفة، وأن السينما مع ما يرافقها من قيم الحرية والتعددية يمكن أن تتخذ موطنا لها في بلد من الجنوب عربي ومسلم.

فتح المهرجان نوافذ على تجارب سينمائية شديدة التنوع وسن تقليدا لتكريم سينما وطنية كل دورة، كان من بينها عربيا السينما المصرية والسينما المغربية، فضلا عن أقطاب قوية مثل اليابان وإيطاليا وفرنسا وصولا إلى كندا في الدورة الحالية.

مهرجان مراكش الدولي للسينما رأى النور بعد هجمات 11 سبتمبر

يحسب للمهرجان أنه يفتح لمواهب الغد أفقا لتنمية معارفهم والتفاعل مع سينمائيين محترفين، فقد برمج المنظمون مسابقة موازية لأفلام طلبة مدارس التكوين في المهن السينمائية بالمغرب، وتتخذ رعاية هذه المواهب بعدا عمليا حيث تشتمل جائزة الفائز على مصاحبته في إنجاز شريطه القصير.

كما يحضر البعد الاجتماعي الإنساني من خلال فقرة خاصة بالمكفوفين الذين يتاح لهم حظ الاستمتاع بالسينما من خلال تقنية الوصف السمعي البصري، وكذلك عبر جذب النجوم لإنجاح حملات طبية إنسانية في المناطق القروية النائية.

ولم يكن المهرجان ليتجاهل فرصة التسويق للوجهة المغربية كفضاء جاذب لتصوير كبريات المشاريع السينمائية الضخمة، وهكذا تشكل مدينة ورزازات بفضاءاتها الأسطورية وكثبانها وإضاءتها الطبيعية فقرة ثابتة في التظاهرة من خلال تنظيم زيارة منظمة لمهنيين وإعلاميين ونجوم تعرف بمزايا المنطقة والتدابير التشجيعية التي تعتمدها الدولة لتحفيز السينمائيين عبر العالم على التصوير بالمملكة.

إدريس شويكة يرى أن الفرنسيين يصنعون سينما المغرب، وبأموال أبنائه (الجزيرة)

محيط محلي
هي محاور كبرى ضمن نص مرافعة المنظمين تعظيما لدور المهرجان ومكتسباته، وقد لا ينازع فيها الكثير ممن ينتقدون المهرجان لأوجه قصور واختيارات أخرى تتعلق أساسا بمدى استفادة السينما المغربية من هذا المهرجان وحجم الحضور العربي فيه في ظل الحديث عن هيمنة الفرنسيين على توجيه خياراته، وهي نقطة تطرح بشكل مزمن من دورة لأخرى.

وفي هذا السياق، انتفض المخرج والمنتج المغربي إدريس شويكة ضد ما اعتبره تهميشا للأفلام ومهنيي السينما المغاربة في عدة دورات للمهرجان، خاصة في نسخته الحالية.

وقال شويكة إن توجيه الاهتمام نحو السينما المغربية يفترض أن يكون طبيعيا على اعتبار أن الحدث يمول بفضل المال العام، ويكلف ميزانية تفوق قيمة الدعم السنوي الذي توجهه الدولة للإنتاج السينمائي.

ويعطي المخرج المغربي مثالا بمهرجان كان الذي يولي اهتماما خاصا بالسينما الفرنسية ولو أنه مهرجان يعتمد على المبادرة الخاصة. هنا، يقول إدريس شويكة "الفرنسيون هم من يصنع سينمانا، وبمالنا نحن".

هذا الشعور بالتهميش الذي لا يخفيه عدد من مهنيي السينما في المغرب، ممثلين ومخرجين وتقنيين، يجد صداه أيضا لدى بعض وسائل الإعلام المغربية التي تشتكي في غير مناسبة مما تعتبره معاملة تفضيلية تحظى بها الصحافة الأجنبية في تغطية المهرجان.

باكريم: مهرجان مراكش قاطرة تجر السينما المغربية في إطار علاقة جدلية (الجزيرة)

خط متميز
في المقابل، يرى الناقد محمد باكريم أن المهرجان -وبعد فترة من التخبط الذي طبع السنوات الأولى من مسيرته- اهتدى إلى بلورة خط تحريري يمنحه هوية خاصة وموقعا متميزا في خريطة المهرجانات، ولا سيما المهرجانات العربية الكبرى التي طرح في وقت ما بحدة سؤال مدى تمايزها عن بعضها البعض.

وأوضح باكريم أن عناصر هذا الخط التحريري شملت الرهان على التنوع السينمائي مع ميل إلى استقطاب الطاقات الجديدة في الإخراج واختيار الأفلام التي تعكس اجتهادا في الكتابة السينمائية والنزوع بشكل مركز إلى تلك التي تتناول قضايا اجتماعية.

أما بخصوص مسألة العلاقة مع السينما المغربية فاعتبر باكريم في تصريح للجزيرة نت أن المهرجان حسم هذه المسألة منذ دورة 2004 التي كرمت السينما المغربية واحتفت بأهم الأسماء التي صنعت تراكمها. وتم في هذا الإطار خلق فقرة "خفقة قلب" خارج المسابقة الرسمية، والتي خصصت في بعض الدورات لعرض جديد الأفلام المغربية.

إن المهرجان بهذا المعنى -يضيف الناقد والمسؤول السابق بالمركز السينمائي المغربي- "قاطرة تجر السينما المغربية في إطار علاقة جدلية". وخلص باكريم إلى أن عمر المهرجان 15 عاما وهو تاريخ ليس طويلا بما يكفي مقارنة بالتقاليد السينمائية العالمية لكنه لا يعفي من نقد الحصيلة بغرض تجاوز النقائص الممكنة.

المصدر : الجزيرة