هيثم حسين-أدنبره

تعتبر الباحثة والأكاديمية الإنجليزية سارة إرفنغ إحدى أهمّ المناصرات للقضية الفلسطينية في بريطانيا، حيث ألفت عدّة كتب وشاركت في كثير من الأنشطة المتعلقة بهذه القضية التي تعتبرها قضيتها الأولى.

تهتمّ سارة إرفنغ -التي حصلت على الدكتوراه في جامعة أدنبره عن الحياة الثقافية في فلسطين خلال فترة الانتداب البريطاني- بترجمة جوانب من الحياة الثقافية العربية خارج الأطر التقليدية، وتسعى لتغيير الصورة النمطية الدارجة عن العرب في الغرب. وقد ترجم كتابها "ليلى خالد.. أيقونة التحرر الفلسطيني" إلى العربية والتركية والدانماركية والإندونيسية.

الجزيرة نت التقت سارة إرفنغ وأجرت معها الحوار التالي:

ما الدوافع التي قادتك للانتصار للقضية الفلسطينية وتبنيها والدفاع عنها، وتحدّي الصعوبات التي لاقيتها في سبيل ذلك؟

بداية لا أعتبر نفسي مستشرقة. دخلت عالم القضية الفلسطينية من باب التضامن لا من باب الاستشراق، وما قادني لتبنّي القضية الفلسطينية هو إيماني بمبادئ العدالة وحقوق الإنسان التي سافرت من أجلها إلى عدّة أماكن حول العالم: ككوبا والمكسيك ونيكاراغاوا وغيرها، في مناصرة لحقوق الإنسان والثورات المنادية بها. 

كانت زيارتي الأولى إلى فلسطين سنة 2001، تعرّفت إلى القضية الفلسطينية عن كثب، فتحوّلت من إحدى القضايا العادلة التي أدافع عنها وأناصرها إلى القضية الأولى التي أنتصر لها، وأعمل في سبيلها.

كانت هناك أفكار جاهزة مسبقة عن هذا العالم، رأيت أن اكتشاف القضية والدفاع عنها من صميم الأولويات. وما رأيته هناك بعد الانتفاضة الثانية كان عاملا رئيسا في تغيير نظرتي وتركيز اهتمامي على القضية الفلسطينية. وقد عملت أثناء حصار كنيسة المهد على دعم المحاصرين هناك بصورة غير مباشرة، وبعد عودتي بدأت بتجهيز مجموعات لزيارة فلسطين والعمل مع الفلسطينيين، للاطلاع على الواقع.

غلاف الترجمة العربية لكتاب "ليلى خالد أيقونة التحرر الفلسطيني" الذي ألفته سارة إرفنغ (الجزيرة)

كانت تلك المجموعات سياحية سياسية، أي ما يمكن توصيفه بالسياحة البديلة، مجموعات من أوروبا وأميركا للتعرّف إلى الواقع ومعاينته عن قرب. كما اشتغلت مع مجموعات لبيع منتجات فلسطينية تنتجها تجمعات في إطار الدعم والمساندة للفلسطينيين.

ماذا عن كتبك المتعلقة بالقضية الفلسطينية وحياة الفلسطينيين في ظروف النضال والحصار والمقاومة؟

كتبت -بالاشتراك مع شارين لوك- كتاب "غزة تحت القصف، 2010" عن تجربة لوك في أول سفينة مساعدات لغزة 2008. كما كتبت دليلا سياحيا سياسيا عن فلسطين "دليل فلسطين، 2011"، اعتمدت فيه على خبرتي الشخصية في تحديد الأماكن التي يمكن للزائر أن يقصدها للتعرّف إلى تاريخ فلسطين الحقيقي وتراث أهلها وشعبها. ويمكن توصيفه بأنه دليل للأماكن الجغرافية، المتاحف، المعالم التاريخية، الثقافية، لمساعدة السائح على اكتشاف المكان وأهله وتاريخه.

ثمّ جاء كتاب "ليلى خالد.. أيقونة التحرر الفلسطيني" (2011)، فكان الأول بالنسبة لي في التخطيط والتفكير، والثالث في الترتيب. اعتمدت فيه على أساسين: أوّلا المقابلات الشخصية التي أجريتها مع ليلى خالد في بيتها في عمّان، وثانيا أجريت لقاءات مع كثير من الناس الذين عرفوها وكانوا قريبين منها، كما بحثت في أرشيف كامل من الصحف والمجلات، وكذلك اعتمدت على كتاب ألفه شخص كان في الطائرة التي خطفتها ليلى خالد، كما اعتمدت على مقابلات مع أشخاص من فصائل أخرى أيضاً. أي أن الكتاب جاء موضوعيا، حاملا وجهة نظرها، ووجهة نظر المحيطين بها، ولم يكن أحادي النظرة. 

ما أسباب اختيارك للفلسطينية ليلى خالد وتخصيص كتاب عنها؟

كان لدينا كثير من الصور النمطية عن النساء في الشرق عموما، ورأيت أن شخصية ليلى خالد تستحق أن تكتب عنها، لأنها تخرج عن التنميط الذي يقيد صورة المرأة العربية، وتكسر تلك الصورة النمطية الدارجة.

اخترت ليلى خالد لأنها يسارية علمانية مناضلة، وهي طرف مهم، بالإضافة إلى أن القضية الفلسطينية هي قضية وجود وعدالة وأرض، وليست قضية صراع ديني كما روّجت إسرائيل. ناهيك عن سبب آخر، وهو أن هناك تصورا عاما في الغرب أن الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين هو صراع ديني، وهذا الرأي ليس صحيحا، فجوهر الصراع ليس دينيا.

ما قصة كتاب "ليس الطائر بحجر" الذي يجمع قصائد لشعراء فلسطينيين وشعراء إسكتلنديين؟

ذهب أحد أصدقائي -وهو هنري بيل- مع مجموعة من الشعراء الإسكتلنديين إلى "بيت الشعر" في فلسطين، وهناك تعرّفوا على عدد من الشعراء الفلسطينيين، وقد قمت لاحقا بجمع قصائدهم وترجمتها مع عدد من المترجمين إلى الإنكليزية، وأعطيناها لعدد من أبرز الشعراء الإسكتلنديين الذين كتبوا قصائد استلهموها من روح تلك القصائد الفلسطينية، ثم صدر كتاب "ليس الطائر بحجر" الذي يحوي قصائد لشعراء فلسطينيين وإسكتلنديين.

قمت بتحرير الكتاب بالتعاون مع هنري بيل، وكان التركيز فيه على تقديم شعراء فلسطينيين عدا أولئك الشعراء المشهورين كمحمود درويش، وسميح القاسم، وتوفيق زيّاد وآخرين. حرصنا على إبراز الجانب الإنساني، وكيف أن الشعراء الفلسطينيين يكتبون أيضا عن الحب والأمل والحياة وأحلام الطفولة، لا فقط عن الالتزام بالقضية.

وماذا عن أطروحتك في الدكتوراه؟

أطروحتي في الدكتوراه تعالج مرحلة نهاية الإمبراطورية العثمانية حتى النكبة في فلسطين، أي مرحلة الانتداب البريطاني، وبشكل خاص الحياة الثقافية في فلسطين. أدرس مجموعة محددة من ثلاثة مثقفين في فلسطين، عاشوا ظروفا حياتية متشابهة، وكانت لهم تصوراتهم عن مستقبل بلدهم.

الفكرة الأساسية التي كانت مسيطرة أثناء تلك الفترة هي العمل من أجل استقلال فلسطين، والهوية الوطنية الفلسطينية، أسوة بغيرها من الدول العربية كسوريا والعراق ولبنان، ولم تكن لديهم معرفة بأن النكبة ستقع. لا أحد توقع حدوث النكبة. كانت التطلعات متركزة على فلسطين مستقلة، ولم يكن واضحا للفلسطينيين أن هناك مشروعا لتكوين إسرائيل بالطريقة التي كانت.

كتاب "ليس الطائر بحجر" يجمع قصائد لشعراء فلسطينيين وشعراء إسكتلنديين  (الجزيرة)

 

 ما حقيقة ما تعرّضتِ له من ضغوط ومشاكل في بريطانيا على خلفية دعمك للقضية الفلسطينية؟

تعرّضت لبعض المشاكل في بريطانيا، منها مثلا: كان يفترض أن يكون هناك حفل توقيع لكتابي "دليل فلسطين" في مانشستر، فسعت مجموعات صهيونية لتعطيل عمل المكتبة أياما، معتمدة وسيلة الاتصال المستمر لأيام على هاتف المكتبة، مما عطل التواصل معها، وتم تعطيل الحفل.

كانت تلك المجموعات الصهيونية قلقة ومنزعجة جدّا من كتاب "دليل فلسطين" الذي أثار حفيظتها أكثر من كتاب "ليلى خالد"، لأن الكتاب يحتفي بالمعالم التاريخية والجغرافية والثقافية لفلسطين بأسمائها التاريخية العربية، وهذا ما يؤكد شرعية الحقّ الفلسطينيّ، وهو ما لا تريد إسرائيل الإشارة إليه بأيّ شكل.

 ماذا عن مساهمتك في حركة المقاطعة ضد إسرائيل؟

ساهمت في التشجيع على حركة مقاطعة إسرائيل ثقافيا وأكاديميا، وقد بدأت هذه الحركة تسبب إحراجا وإرباكا للإسرائيليين على المستوى الثقافي والفكري والأكاديمي، أكثر من المستوى الاقتصادي.

وقد كانت حركة المقاطعة مجدية، وأتت بنتائج مهمة أزعجت إسرائيل التي تحاول تقديم نفسها كدولة ديمقراطية في الغرب، وحركة المقاطعة جاءت لتضرب تلك الصورة في الصميم. 

 ماذا عن ترجماتك الأخيرة من العربية إلى الإنجليزية؟

أهتمُّ بترجمة جوانب من الحياة الثقافية العربية خارج الأطر التقليدية، وأسعى لتغيير الصورة النمطية الدارجة عن العرب في الغرب. أنهيت ترجمة رواية "اليهوديّ الحالي" لليمني علي المقري.

أحببت قصة الرواية وفكرتها وطريقة المعالجة، فقمت بترجمتها. وجدت بعض الصعوبات أثناء الترجمة، وبخاصة بالنسبة لكلمات من اللهجة العامية اليمنية، تلك التي لم يكن لها أي وجود في المعاجم. وقد ساهمت بترجمة قصص في "كتاب غزة" (2014) و"كتاب الخرطوم" (تحت الطبع) وهو عبارة عن قصص لأدباء من السودان.

المصدر : الجزيرة