الخير شوار-الجزائر

تتواصل منذ أشهر فعاليات تظاهرة "قسنطينة عاصمة للثقافة العربية" التي افتتحت في أبريل/نيسان الماضي ببرامج ثرية ومختلفة تتنوع بين مهرجانات للسينما والمسرح والآداب والفنون التشكيلية والموسيقى والأسابيع الثقافية.

ووسط الحديث عن نجاح هذا المهرجان أو ذلك يتكرر السؤال بخصوص الغياب الواضح للجمهور، إلى درجة أصبح الأمر هاجسا لدى المنظمين وبعض الضيوف، فهل الأمر عارض وله علاقة بأسباب خاصة، أم أنه أصبح عاما ويتطلب بحثا أعمق في أسبابه الحقيقية؟

وقد بلغ العزوف الجماهيري مداه في الصيف الماضي عندما قررت محافظة التظاهرة تأجيل بعض الفعاليات إلى ما بعده.

وقال المحافظ العام للتظاهرة سامي بن الشيح الحسين حينها إن البرنامج يطبق بجدية، غير أنه اعترف بأن المشكل الأساسي يكمن في غياب الجمهور على الرغم من الإجراءات التي اتخذت لنقل العائلات إلى صالات العرض. 

ثقافة وسياسة
واضطر المنظمون إلى إعادة ضبط البرنامج من جديد بإدراج فعاليات جديدة من شأنها جلب الجمهور، لكن التجاوب بقي دون المستوى، خصوصا في الأنشطة المتعلقة بالمسرح والأدب والفنون التشكيلية.

ياسمينة ابريهوم: العشرية الحمراء جعلت الجزائري يتحاشى التنقل ليلا (الجزيرة)

وتؤكد القاصة والمترجمة ياسمينة ابريهوم -ابنة مدينة قسنطينة- أن سؤال غياب الجمهور "جوهري ومهم، بل يكاد يكون قديما قدم المعنى الذي يتعب العقل، ويصرف الناس إلى البحث عما هو سهل وغير متعب".

وعن أسباب الظاهرة تؤكد ابريهوم للجزيرة نت أن "المقيمين على النشاطات لا يهمهم الجمهور كثيرا، فهم مطالبون بتأدية برنامج يكاد يكون رزنامة سياسية لا بد من أن تنجح ليحفظوا بها ماء الوجه، إذ لا يهتمون كثيرا بذلك بقدر ما يركزون على الورقة التقنية وتطبيقها، وهم من جهة أخرى لا ينسقون في عملهم هذا مع وسائل الإعلام كفاية، لدرجة أن يصبح النشاط قبلة للمواطن الذي غالبا ما يكون في أوقات دوامه نهارا".

واستحضرت المتحدثة "سنوات الدم والخوف" التي مرت على الجزائر، و"تركت علائقها بمدننا، فما زلنا لا نثق تماما في الليل، خاصة في الشتاءات الباردة عندنا، ووسائل الإعلام بدورها تكتفي بتغطية النشاطات من دون الإحساس بأهمية الحضور". 

من جانبه، يرى الكاتب عبد الرزاق بوكبة مسؤول الإعلام السابق لبرنامج "ليلة الشعراء" الذي يقام ضمن برنامج تظاهرة "قسنطينة عاصمة للثقافة العربية" أن الغياب "لا يمس إلا التظاهرات الأدبية مثل الأمسيات الشعرية والعروض المسرحية، والجمالية مثل الفن التشكيلي، والفكرية مثل الملتقيات التي تتناول مسارات الأفكار ورجالاتها، أما التظاهرات الفنية والموسيقية وما شابهها فقد وقفت شخصيا على ما يشبه المعارك بين الجمهور ورجال الشرطة من أجل الدخول إلى القاعات المحتضنة لها".

ويدعو بوكبة في تصريحه للجزيرة نت إلى فتح نقاش حقيقي بشأن الظاهرة. 

ملصق معرض الموسيقى الأندلسية بتظاهرة "قسنطينة عاصمة الثقافة الجزائرية" (الجزيرة)

ظاهرة عامة
ويعتبر مدير مسرح قسنطينة محمد زتيلي أن غياب الجمهور أصبح "ظاهرة معاصرة ليس في قسنطينة أو الجزائر وحدها بل في العالم العربي وكثير من دول العالم".

ويضيف زتيلي في تصريحه للجزيرة نت أنه في الجزائر لم تعد المهرجانات والندوات والملتقيات والمعارض وغيرها تستقطب الجمهور الذي كانت تستقطبه سابقا.

وعن أسباب هذا الغياب يقول زتيلي "لعل ظهور وسائط إعلامية تكنولوجية جديدة من جهة، وكبر المدينة بطريقة عمرانية فوضوية قد ساهما بشكل أساس في بروز واستفحال ظاهرة العزوف".

وأضاف المتحدث أن "المواطن الذي يقطن مدينة هي عبارة عن قرية شأن كل المدن العربية يسكنه طوال اليوم هم واحد هو كيفية الوصول إلى البيت قبل أن يعم الظلام، لأنه بعد ذلك لن يظفر بوسيلة نقل توصله لبيته الذي لم يختر موقعه، والذي يقع في أحسن الأحوال في أقصى المدينة".

المصدر : الجزيرة