أمير تاج السر

أتيح لي في الفترة الماضية، أي منذ نهاية العام الماضي وحتى نهاية العام الحالي، أن ألتقي بقراء مختلفين في عدد من معارض الكتب، في الشارقة والكويت والدوحة.

كان لقاء الشارقة محددا بموضوعه، وشارك معي آخرون من الكتاب أيضا، بينما كان لقاء الكويت حوارا مباشرا بين كاتب وقراء أو مثقفين، أو حتى ناشرين وزملاء كتابة، وكذا كان معرض الدوحة الأخير، الذي انتهت فعالياته منذ فترة قريبة.

ندوة الشارقة كانت عمّا سُمِّي: ندوة عن روح الكتابة، أو الكتابة وارتباطها بالمفردات اليومية. وقد لاحظت أثناء مروري بأجنحة المعرض، المعروف بأنه من المعارض المهمة في المنطقة، زحاما حقيقيا من القراء على اقتناء الكتب بمختلف مواضيعها، رغم أن الحديث قد طال عن قرب اندثار الكتاب الورقي، ليحل محله الكتاب الإلكتروني، وفي ذلك ما يقلل من شأن تلك النظرية.

فالكتاب الورقي خاصة في عالمنا العربي -حيث الدخول إلى الإنترنت والقراءة من أجهزة الكيندل والآي باد، وغيرها من وسائط القراءة الإلكترونية، التي تتنافس الشركات المختلفة في صناعتها- ليست متاحة للجميع، وحتى أولئك الذين يملكون امتياز الدخول، واقتناء تلك الأجهزة، غالبا يستخدمونها للترفيه، أو التواصل في المواقع المختلفة، مثل تويتر وفيسبوك وأنستغرام.

أتحدث عن توقيع الكتب في المعارض، وأعني أن يجلس الكاتب على طاولة رصت عليها كتبه، منتظرا أن يأتيه أحد ليوقع له إهداء على الكتاب. هذه ظاهرة انتشرت كثيرا في معارض الكتب في السنوات الأخيرة، وبات كل من يصدر عملا في أي مكان، يعد القراء بأنه سيكون موجودا في زمن معين للتوقيع

بالنسبة للندوة في الشارقة، كان ثمة كتاب مهمون، شاركوا وتحدثوا عن روح الكتابة في ما صاغوه حتى الآن، من وحي بلدانهم، ومنهم راميش غوديسبرا -السريلانكي الذي يقيم في بريطانيا ووصل مرة إلى القائمة القصيرة لجائزة مان بوكر العالمية- الذي لم أكن شخصيا أعرفه جيدا قبل لقائي به في الشارقة، فلم يُترجم له حتى الآن أي أثر، وبالتالي لا قراء ممن يقرؤون بالعربية غالبا. وشارك أيضا كتاب محليون كانوا شبابا، لكن لكتابتهم وقعا، ولروح الأمكنة التي استقوا منها وجود حقيقي.

في الكويت والدوحة -وهما أيضا من المعارض التي لها شخصيتها المميزة وجمهورها الذي ينتظرها كل عام- كان ثمة حوار جيد عن ماهية الكتابة، وطقوسها، وما يدفع الناس ليكتبوا، والآخرين ليقرؤوا، وبالطبع ثمة تفسيرات كثيرة، وآمال وطموحات عديدة سواء من القراء أو الكتاب والمبدعين عموما.

ومعروف أن الكتابة الحقيقية ليست رغبة فقط، تداعب خيال أحدهم، وتدفعه ليكتب، وليست موهبة فقط، تأتي وتُصَيِّر الموهوب مبدعا بلا دراية. إنها خليط من حقائق وأوهام وخيالات، ومعرفة أكيدة بالشيء تماما مثل أي صنعة أخرى، والمبدع الناجح من يجتهد في كل ذلك، قبل أن يدفع بكتاب للطباعة، ويجلس أمام قراء يحاورونه في شبه استجواب، ولكنه استجواب، رائع.

بالتالي وجود الكاتب في تلك المعارض، التي ذكرتها، وغيرها من المعارض المزدحمة، مثل الرياض والجزائر، والدار البيضاء، من حين لآخر، واللقاء بزملائه في الكتابة، أو قراء ربما يعرفونه، أعتبرها ضرورة حيوية رغم مشقتها.

هنا يحدث ثمة تحاور مباشر، وأسئلة تطرح وتجاوب، كما ذكرت، وفي النهاية فائدة قصوى لكلا الطرفين، الكاتب يعرف من يقرؤه وينتقده، والقارئ يملك حرية أن يلقي بأسئلته عن تجربة الكاتب، ولا بد يحصل على أجوبة عن مجمل تجربته.

لا بد من التواصل مع القراء بأي طريقة، ولكن لا بد أيضا من الصبر والانتظار حتى نصل إلى مرحلة أن ينتظرنا القراء لنوقع لهم، لا أن ننتظر نحن قارئا ربما يأتي وربما لا يأتي
أتحدث عن توقيع الكتب في المعارض، وأعني أن يجلس الكاتب على طاولة رصت عليها كتبه، منتظرا أن يأتيه أحد ليوقع له إهداء على الكتاب. هذه ظاهرة انتشرت كثيرا في معارض الكتب في السنوات الأخيرة، وبات كل من يصدر عملا في أي مكان، يعد القراء بأنه سيكون موجودا في زمن معين للتوقيع، حتى من أصدر عملا واحدا، يتأنق ويأتي وينتظر، وهناك من يزينون طاولاتهم بالورد، ويضعون قطعا من الحلوى، رمزا للاحتفال، ومن يوزعون الشاي والقهوة، وفي نهاية اليوم ربما يأتي قراء كثيرون، وربما يأتي قلة، ومحتمل جدا ألا يهتم أحد، وتخرج للصحف صورا براقة تمثل الكاتب جالسا مبتسما في حفل توقيع لروايته أو كتابه الشعري.

هذه الظاهرة قديمة في أوروبا بالطبع، وتحشد جمهورا كبيرا بالضرورة، ولكنها لا تزال متعثرة في عالمنا العربي، حيث القراءة ليست أولوية ولا تربية راسخة نربيها لأبنائنا، وشخصيا لا أجلس للتوقيع إلا مضطرا حين يلح الناشر في ذلك.

ولكن لا مانع لدي على التوقيع إن صادفني أحد يحمل كتابا لي لم يشتره تحت ضغط الحرج، ومشاهدتي جالسا على طاولة، تشبه كثيرا طاولات البيع في الأسواق الشعبية. وقد كتبت من قبل عن جلوسي في أحد الأيام البعيدة، لتوقيع سيرة لي اسمها "مرايا ساحلية"، صدرت في بداية الألفية الجديدة.

وكنت محرجا فعلا، حين اشترى الكتاب عدة أشخاص تحت ضغط الحرج مني، وقارنت ذلك بالإسباني زافون الذي شاهدته يوقع رواية "ظل الريح"، في لندن حين صدرت ترجمتها الإنجليزية، وكان يجلس في الشارع يرتدي تي شيرت عاديا أخضر اللون، ويقف أمامه طابور من القراء بلا نهاية، ليوقع لهم باسمه على الرواية، وبعضهم يقف منذ الفجر في انتظار أن يأتي الكاتب، وتوجد صور كثيرة لحفلات توقيع الياباني هاروكي موراكامي، والحقيقة هي ليست حفلات، وإنما تظاهرات جماهيرية تطالب بتوقيع الكاتب، بطريقة تشبه المطالبة بلقمة العيش.

إذن لا بد من التواصل مع القراء بأي طريقة، ولكن لا بد أيضا من الصبر والانتظار حتى نصل إلى مرحلة أن ينتظرنا القراء لنوقع لهم، لا أن ننتظر نحن قارئا ربما يأتي وربما لا يأتي.

المصدر : الجزيرة