سعيد يقطين*

ظلت جغرافيا الوطن العربي-الإسلامي مفتوحة عدة قرون، وكان التفاعل خلالها متواصلا بين مختلف أطرافه رغم تباعد الأصقاع والمسافات، ولقد لعبت الكتابة والكتاب دورا أساسيا في هذا التفاعل الثقافي بين المغرب والمشرق خلال كل تلك القرون.

كان بإمكان الكتاب أن يُؤلف في بغداد، وتصل نسخته الأولى بخط مؤلفه -أحيانا- إلى قرطبة أو غرناطة حتى قبل أن يوضع للنسخ في إحدى ورّاقات موطن صاحبه. كما كان بإمكان شخص مثل زرياب أو القالي أو صاعد البغدادي أن يقدم إلى الأندلس حاملا إليها نمط حياة، وأسلوب تفكير. ورغم ما قيل عن "العقد الفريد" بأنه بضاعة قوم ردت إليهم، فإنه ليس سوى تأكيد على التفاعل العميق بين أطراف الإمبراطورية العربية-الإسلامية.

لقد كان مطلب ابن عباد، وهو يعلق على "العقد"، أن يرى كتابا من الأندلس يحمل إليه ما يجهله عن رجالاتها، وبذلك كان مصرا على التفاعل. لكن ابن عبد ربه كان يرى أن التراث المشرقي يمكن أن يقدم بكيفية أخرى، ليس للأندلسيين فحسب، بل للمشرقيين أيضا، لأنه كان يرى، على غرار معاصريه ومن جاء بعده، أن الإسهام في تطوير الثقافة العربية الإسلامية يشترك فيه المشرق والمغرب معا؛ ولذلك ظل "العقد" معلمة تراثية فريدة في الترتيب والتبويب. وسيلبي مطلبَ ابن عباد أصحابُ الذخيرة والنفح والمطرب... وغيرهم من الذين رصدوا الإبداع الثقافي والفكري في المغرب.

كما كان بالإمكان أن يخرج متصوف من الأندلس أو المغرب قاصدا الحج، ليجد نفسه حيثما تنقل في المشرق يترك أتباعا ومريدين، بل لعب ابن خلدون دور السفير، وهو الذي خرج من فاس، ليجد نفسه يتدخل في دمشق لمواجهة أعتى القوات التي جاءت لتدمير الحضارة العربية الإسلامية. هل نذكر ابن بطوطة أو المرسي أو ابن جبير، لنؤكد ما لا يحتاج إلى تأكيد بخصوص التفاعل المتواصل بين المشرق والمغرب خلال كل التاريخ الذي سبق العصر الحديث؟

كان لا بد من انتظار ما بعد الاستقلال ليبرز الدور الذي ستضطلع به دول المغرب في جعل التفاعل مزدوجا، أخذا وعطاء، في مرحلة أولى، وفي مرحلة ثانية، لا سيما منذ الثمانينيات من القرن الماضي، وسنصبح أما تكافؤ التفاعل بين المشرق والمغرب

الأثر المطبوع
جاء الاستعمار ففرض الحدود، وأقام الحواجز بين المشرق والمغرب، لكن الطباعة ستلعب الدور الجوهري في تعزيز ذلك التفاعل الذي جاء الاستعمار ليحده في زمن، ويقلص من أثره في اتجاه عزل كل منهما عن الآخر نهائيا في زمن آخر. لكن السحر انقلب على الساحر، فإذا الطباعة وما تولد عنها من نشر الصحيفة والمجلة والكتاب، تؤدي إلى نقيض مقاصد الاستعمار ومراميه.

صار الأثر المطبوع يتحرك بين القاهرة وبيروت وتونس والجزائر وطنجة بمختلف الأساليب التي كانت تتلاءم مع الحواجز التي فرضها الاستعمار، وصار الكتّاب من المغرب يطبعون إنتاجاتهم في المشرق العربي، محملة بالشعارات والأفكار الجديدة التي بدأت تتبلور بعد حملة نابليون، وظهور التيارات الفكرية والسياسية العربية؛ فكان التجاوب والتفاعل.

مع تطور الوسائط الجماهيرية (السمعية-البصرية) ظلت الإذاعة العربية والسينما المصرية والأغنية تجد لها مستمعين ومشاهدين في مختلف الأقطار العربية التي بدأت تعمل على توفير البنيات التحتية لاستقبال التكنولوجيا الحديثة في التواصل، وكان لتأخر حصول دول المغرب العربي على استقلالها أثره في أن ظل التفاعل مع المشرق أحادي الاتجاه.

وكان لا بد من انتظار ما بعد الاستقلال ليبرز الدور الذي ستضطلع به دول المغرب في جعل التفاعل مزدوجا، أخذا وعطاء، في مرحلة أولى، وفي مرحلة ثانية، لا سيما منذ الثمانينيات من القرن الماضي، وسنصبح أما تكافؤ التفاعل بين المشرق والمغرب، وغدا التنافس قويا بينهما في أيهما يسهم في إثراء الثقافة العربية ولغتها، في أفق جعل الحضور العربي واقعا على المستوى العالمي.

أدى هذا التطور إلى انمحاء الحدود بين المشرق والمغرب، على المستويين الثقافي والفكري، وبدأت تزول فكرة المراكز والهوامش، وصار لدول الخليج حضورها المهم في الخارطة الثقافية العربية سواء على مستوى الإنتاج أو التلقي، وصار المبدعون والنقاد والمفكرون في كل الأقطار العربية يجدون لهم قارئا عربيا، وناقدا من غير قطرهم، ومُساجلا أو محاورا للتيارات الفكرية والثقافية التي بدأت تتبلور وتفرض وجودها في تفاعل أعم مع الثقافة الإنسانية في مختلف صورها وأشكالها.

في هذه الصيرورة دخل العالم برمته حقبة جديدة نلخصها في كلمة: العصر الرقمي، الذي ارتبط ارتباطا وثيقا بالتكنولوجيا الجديدة للمعلومات والتواصل، التي صار بمقتضاها العالم قادرا على التواصل وتحقيق التفاعل، بغض النظر عن الحدود الجغرافية واللغوية والثقافية، من خلال توظيف "الوسائط المتفاعلة" عبر الفضاء الشبكي.

لم يسهم العرب في هذه الثورة التكنولوجية الجديدة، ولكنهم تلقفوها على غرار الكثير من الأمم والشعوب، وشرعوا يتفاعلون معها، كل دولة عربية على حدة، وبطريقة مختلفة. لقد تأخرت بعض الأقطار العربية في استنبات هذه التكنولوجيا، وعمل بعضها الآخر على التعامل معها فور بدايات انتشارها، وكان لذلك أثره على تعامل مستعمل الوسائط المتفاعلة وتبنيها على قطاع واسع.

ومن بين الدول العربية التي سبقت إلى ذلك مصر والأردن ودول الخليج العربي، ثم سرعان ما تم التخطيط لاستعمال هذه التكنولوجيا في كل الوطن العربي بالتدريج، وحاليا يمكن الحديث عن تعميم هذه التكنولوجيا في مختلف الأقطار العربية، فظهرت المواقع الشخصية، والمدونات والمنتديات، ثم سرعان ما برزت شبكات التواصل الاجتماعي، فباتت جزءا أساسيا من حياة المواطن العربي التي يوظفها للتواصل مع العالم.

ورغم كون الفجوة الرقمية بين دول الشمال والجنوب عميقة، فإنه يمكن القول، مع ذلك، إن هناك بدايات للوعي بهذه الفجوة، وبدايات التفكير في ردمها، لتحقيق تفاعل أكبر وحقيقي بين المشرق العربي والمغرب من جهة، ومع العالم المتطور من جهة ثانية.

عندما نتحدث عن الحضور العربي في الفضاء الشبكي نشير بصورة خاصة إلى نوع جديد من التفاعل بين مشرق الوطن العربي ومغربه بصورة لم يشهدها في كل العصور القديمة، وفي الوقت نفسه إلى التفاعل مع الآخر

تفاعل جديد
بدأ يتزايد مستخدمو الفضاء الشبكي والوسائط المتفاعلة في الإنتاج والتلقي على المستوى العربي، وصار للعرب حضور لا يني يتطور سنويا. ولتأكيد هذا التزايد يمكننا الوقوف على الموقع الذي أصبح يحتله النص العربي القديم، على سبيل المثال في الفضاء الشبكي؛ لقد كثرت المكتبات الإلكترونية العربية التي تكاد تغطي حصيلة أعمال قرون طويلة من الزمان، وتجعل النص العربي متوفرا في هذا الفضاء.

كما أن المؤسسات الرسمية والشعبية وغيرها صار لها اهتمام بهذا الوسيط، وصارت توظفه في تحقيق المزيد من التفاعل والتواصل. ويمكن قول الشيء نفسه عن الأفراد الذين بات هذا الفضاء الافتراضي جزءا أساسيا من واقعهم.

عندما نتحدث عن الحضور العربي في الفضاء الشبكي نشير بصورة خاصة إلى نوع جديد من التفاعل بين مشرق الوطن العربي ومغربه بصورة لم يشهدها في كل العصور القديمة، وفي الوقت نفسه إلى التفاعل مع الآخر، لكن مع ذلك يمكننا الحديث عن الفجوة الرقمية بيننا وبين الآخر.

ولعل العمل على ردمها مع الزمن كفيل بجعل التفاعل العربي الرقمي يرقى إلى مستوى طموح الإنسان العربي من جهة، وإلى تفاعله مع العصر من جهة أخرى.

يكمن تحقيق ذلك الطموح من خلال الانتقال من التعامل مع الوسائط المتفاعلة على أنها أدوات ووسائل فقط، وهذا هو واقع الحال، إلى التعاطي معها على أنها فضاء ولغة وخطاب ورؤية للعالم، ولا يمكن أن يتأتى ذلك إلا بالارتقاء إلى ما يمكن أن نسميه: الوعي العربي الرقمي الذي يحقق التفاعل الرقمي العربي الذي بدونه لا يمكننا دخول العصر الرقمي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ناقد وجامعي مغربي

المصدر : الجزيرة