الصحبي العلاني

بعد 85 عاما على عزله وحرمانه من العمل، وفي بادرة رمزيّة تعيد للرجل اعتباره وبعضا من حقوقه التي حُرم منها، أعلنت وزارة العدل التونسية في بلاغ لها إعادة إدراج اسم المفكر والمناضل السياسي والنقابي والحقوقي الطاهر الحداد (1899-1935) ضمن قائمة عدول الإشهاد (المأذونون الشرعيون).

وفي مبادرة تقديرية أخرى، قررت رئاسة الجمهورية قبل أيام منح الطاهر الحداد وسام الجمهورية اعترافا له بالجميل، ولرد الاعتبار إلى أحد رموز حركة الإصلاح الوطني وتحرير المرأة التونسية.

وأعادت تلك المبادرات إلى الأضواء مجدّدا رجلا كانت آراؤه وما زالت مدار خلاف هو جزء من الحراك الذي ميّز المجتمع التونسي الحديث والمعاصر في مواقفه من قضايا العمّال والمرأة والتعليم والحريّات.

وانعكست تلك الروح الخلافية في ما اقترفه مجهولون ذات ليلة من فبراير/شباط الماضي الذي يشهد احتفال تونس بمرور ثمانين عاما على رحيل الحداد، حيث هشموا تمثاله في عقر داره، مدينة الحامّة (جنوب البلاد).

اكتفى الطاهر الحداد بالتردّد على المدرسة القرآنيّة فحفظ الذكر الحكيم، ثم دخل جامع الزيتونة فقضّى فيه سبع سنوات توَّجَها بالحصول على شهادة التطويع

سياقات متعرّجة
في تونس العاصمة، وفي عائلة تعود أصولها إلى مدينة الحامّة، رأى الحداد النور أواخر العام 1899 ليجد نفسه في سياق تاريخيّ راكد. فقد كان الاستعمار الفرنسي جاثما على صدر تونس، وكان الجميع يعتقد أن هذا الوضع قدر محتوم.

في ظل تواضع الإمكانيات، اكتفى الطاهر الحداد بالتردّد على المدرسة القرآنية (الكتّاب) فحفظ الذكر الحكيم، ثم دخل جامع الزيتونة صَرْحَ العلوم الشرعيّة وقلعة الهويّة الوطنية فقضّى فيه سبع سنوات (من 1913 إلى 1920) توَّجَها بالحصول على شهادة التطويع.

وقد كانت تلك السنوات مناسبة عايش فيها عن كثب الحراك المتنامي، لا في جامع الزيتونة فقط، بل في المجتمع التونسيّ ككل. فقد كان الزيتونيّون -رغم طابع المحافظة الذي يغلب عليهم- واعين في قرارة أنفسهم بأن المعارف التي يتلقوْنها صارت -بمعايير العصر- قديمة، مقارنة بما يتداوله أبناء جلدتهم في المدرسة الصادقيّة (تأسّست عام 1875 على يد المصلح خير الدين التونسي) وفي المدارس المختلطة الفرنسية العربية.

وسرعان ما انتفض طلبة الجامع الأعظم مطالبين بمضامين ومناهج أكثر مواكبة للعصر. ولكن الطاهر الحداد لم ينتظر استفاقة الجموع ليتحرّك، بل إنّه سبقها فبادر إلى كتابة مقالات في الصحف والدوريّات المحليّة فوصف الحالة العامة في البلاد ونادى باستفاقة الشعب في مواجهة الجهل والتخلف والظلم والاستبداد.

وقد كان لهذه المقالات صدى واضح في النخبة التونسيّة آنذاك، ممّا دفع الشيخ المصلح عبد العزيز الثعالبي (1876-1944) إلى تقريب الطاهر الحداد وضمّه إلى صفوف الحزب الحر الدستوري التونسي (1920). ولكنّ الصلة بين الرجلين سرعان ما انقطعت إثر الزجّ بالثعالبي في السجن، ثم إجباره على مغادرة تونس بتهمة النشاط السياسي ومناهضة الاستعمار.

ومع ذلك، لم يتوقف الطاهر الحداد عن الكتابة الصحفية، بل إن لقاءه بابن مدينته محمد علي الحامّي (1890-1928) ساقه إلى الانخراط في مسار جديد، مسار العمل النقابي، فأسّسا صحبة مجموعة من الوطنيّين "جامعة عموم العملة التونسيّين" (1924) أوّل نقابة تونسية. وقد أتاح له نشاطه فيها أن يكون أكثر قربا من الحياة الاجتماعيّة وأكثر وعيا بحقائقها وأبعادها.

الطاهر الحداد لم ينتظر استفاقة الجموع ليتحرّك، بل سبقها وبادر إلى كتابة مقالات في الصحف والدوريات المحلية، وصف فيها الحالة العامة للبلاد

مسارات جديدة
رغم انتشارها السريع ومبادرة جلّ العمال التونسيّين إلى الانخراط فيها، فإن تجربة "جامعة عموم العملة التونسيّين" لم تعمّر طويلا، فقد تألّبت عليها القوى الاستعمارية وبعض الأحزاب المحليّة، وآل الأمر بقادتها إلى المحاكمة والنفي خارج البلاد.

لكنّ إيمان الطاهر الحداد بقيمتها واعتباره لها بذرة في أرض النضال البكر، دفعه إلى التأريخ لها في كتاب حمل عنوان "العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية" (1927). ولعلّ أبرز ما يلفت الانتباه في هذا العمل إلحاح صاحبه على أنّ النشاط السياسي لا معنى له ولا خير يرجى منه إذا كان مجرّد "هياج" لا يأخذ في الحسبان "الأعمال الاجتماعية التي تكون بها الأمة شعبا".

ومثلما قمعت قوى الاستعمار جامعة عموم العملة التونسيّين وقادتَها، فعلت الشيء نفسه مع كتاب الطاهر الحداد فمنع تداوله بين الناس بعدما تبيّن لها خطره، وهو الذي يدعو جهرا إلى الالتحام بين النخب السياسية وعموم الجماهير العمّالية.

وقد كان للمسار الجديد الذي سلكه الطاهر الحدّاد بعد خوضه غمار السياسة والتجربة النقابية، أثره البالغ في توجيه اهتمامه صوب شريحة أخرى من المجتمع ظهرت في المشرق العربي بوادر الاعتناء بها، بعدما نشر قاسم أمين كتابَيْه "تحرير المرأة" (1899) و"المرأة الجديدة" (1901) اللذين أثارا ردود فعل رافضة ساخطة.

وإذا كان قاسم أمين ابن الطبقة الأرستقراطية المصرية وسليل التعليم العصري، فإن الطاهر الحدّاد منحدر من عائلة متواضعة ومتخرّج من مؤسسة تعليمية تقليدية، وهذا ما أكسب آراءه في المرأة ومواقفه منها خصوصية فريدة.

الحداد كشف عن الوضعية الاجتماعية الدونية المزرية التي كانت عليها المرأة التونسية مطلع القرن العشرين، ونبّه إلى أنها لا تتناسب مع روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها

تحرير المرأة
ففي كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" (1930) كشف الطاهر الحداد عن الوضعية الاجتماعية الدونية المزرية التي كانت عليها المرأة التونسية مطلع القرن العشرين، ونبّه إلى أنّها لا تتناسب إطلاقا مع روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها التي تنادي في جوهرها بالحرية والمساواة.

ومن خلال قسمَيْن توزّعت عليهما مادة الكتاب: قسم تشريعي وآخر اجتماعي، صاغ دعوته التي لم تقتصر على تحرير المرأة فحسب، بل شملت أيضا تأهيل الأسرة وتثقيفها ورعايتها من أجل السمو بالإنسان ذكرا كان أو أنثى.

ولكن هذه الدعوة بأبعادها المختلفة أثارت ردود فعل القوى المحافظة سواء من جامع الزيتونة أو من خارجه، فتصدّت له الأقلام بالرد والتشنيع مشرقا ومغربا، وكُفِّرَ وجُرّد من كل شهاداته العلمية وحقوقه المدنية وحرم من الزواج والعمل، ممّا أجبره على الاعتكاف في بيته إلى أن توفّي في ديسمبر/كانون الأول 1935 وهو في ربيعه الـ36، تماما كصديقه ورفيق دربه الشاعر أبي القاسم الشابي (1909-1934) الذي ودّع العالم قبله بسنة واحدة وهو في عزّ العطاء.

بين مسارات الأدب والسياسة والعمل النقابي والإصلاح الاجتماعي، أنفق الطاهر الحداد سنوات عمره القصير، فكانت الآثار التي كتبها -وجلّها نُشر زمن الاستقلال بعد وفاته- علامات في طريق محفوف بالجرأة والمخاطرة، وما زالت نصوصه إلى يومنا هذا موضوع درس، وآراؤه محور بحث بين معترف بفضله ومنكر لفكره.

المصدر : الجزيرة