ترى الناقدة والكاتبة السورية بهيجة مصري إدلبي أن تجربة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش تتميز بالتجاوز المستمر، مما يجعلها عصية على الكشف النهائي والتصنيف، ليصبح صعبا على النقد النفاذ إلى رؤاها واستدراج مجاهيلها وأسرارها.

وتقول بهيجة في مقابلة مع رويترز إن تجربة درويش "عصية على الكشف النهائي وعصية على التصنيف لأنها تجربة المعاناة والمعرفة.. تجربة الوجود والعدم.. تجربة الموت والخلود، حيث تشكلت من ألمه كفلسطيني مهجر منفي إلى ألمه كإنسان منفي عن وجوده، فإذا بالألم الفلسطيني ألم كوني يحمل فلسفة الكائنات".

وخلصت إلى أن درويش أدرك "مأزق" الربط بين الشعر الفلسطيني وتعاطف القارئ مع "قضيته" فاستطاع بأعماله -وخصوصا ديوانه "جدارية" وما بعده- أن "يوسع رؤيته الشعرية، وأن يلقي عليها ظلالا فلسفية في تأويل الذات والوجود لتتسع معه قضيته".

وأصدرت بهيجة كتابا نقديا بعنوان "محمود درويش والعروج إلى ما وراء المعنى" في الأردن تزامنا مع صدور روايتها الجديدة "حوادم"، وهو دمج لكلمتي حواء وآدم، بمعنى الإنسان الكامل. وتعتبر ذلك الكتاب النقدي نوعا من الشغف في استبصار النص الشعري لدى درويش.

وتقول إنها واجهت سؤالا عن الجديد الذي تقدمه في قراءتها لشعر درويش، وهو سؤال وجه إليها أيضا قبل عشر سنوات مع صدور كتابها "القصيدة الحديثة بين الغنائية والغموض" الذي تناولت فيه شعر السوريين نزار قباني ومحمد الماغوط.

بهيجة مصري إدلبي:
القصيدة الدرويشية تحولت من مقامها الأول مقام المعاناة الفلسطينية، إلى مقامها الأوسع مقام الأسئلة المقلقة.. الأسئلة الوجودية التي استوقفت الشاعر وهو في طريقه إلى الخلود

تجاوز مستمر
وتشدد بهيجة على أن التجربة الشعرية لشاعر في "مقام محمود درويش تمتاز بالتجاوز المستمر.. لم أكن مشغوفة بالنص بقدر شغفي بما وراء النص"، فغير المنصوص عليه -أي الغائب غير المكتوب حسب الناقدة- هو ما يستبصره القارئ ويجعل النص قابلا للاختبار المستمر وتعدد المعاني والدلالات.

وتمضي قائلة إن "القصيدة الدرويشية تحولت من مقامها الأول مقام المعاناة الفلسطينية، إلى مقامها الأوسع مقام الأسئلة المقلقة.. الأسئلة الوجودية التي استوقفت الشاعر.. هكذا كانت جداريته رحلة في الموت الكشفي.. الموت الذي يفضي إلى معرفة بيضاء تعين الشاعر على خلوده وتفتح أمامه نوافذ الرؤيا على شساعتها فيدخل في غيبوبة التأمل وتأمل الغياب".

وتخلص الناقدة السورية إلى أن "التعاطف مع القضية" لم يعد هو الوحيد الذي يغري بقراءة درويش، بل الحس الجمالي الذي ينهض بالذات الشعرية إلى ماورائيات الوجود. وتشير إلى أن درويش كان يرفض أن يسمى "شاعر القضية" لأن هذا المصطلح يضيق عليه الدهشة الجمالية التي أصبح أكثر شغفا بها في قصائده بعد الجدارية.

المصدر : رويترز