دارا عبد الله-برلين

تقارن تجربة الخروج السوري بالهجرات الجماعية الكبرى التي جرت في تاريخ البشرية كنزوح عدد كبير من الفلسطينيين عقب الاحتلال الصهيوني، وهجرة الأرمن بعد الحرب العالمية الأولى هربا من القتل.

وتتعدى آثار هذا النوع من الهجرات مستوى الألم والفظاعة والفقدان على المدى القصير لتشكل ثقافة ولغة ووجدانا جديدا في الوعي العام على المدى البعيد، ومنه تتشكل هويات جديدة في المهجر تنتج من تفاعل الهوية السابقة الأصلية مع هوية البيئة المحلية المهاجر إليها.

وفي هذا الموضوع استطلعت الجزيرة نت مجموعة من المشتغلين السوريين في الشأن الإبداعي غادروا سوريا إلى ألمانيا بعد انطلاق الثورة السورية وما آلت إليه من حروب طاحنة.

يقول الممثل المسرحي أيهم مجيد الآغا (٣٥ عاما) إن العمل في الشأن الثقافي من الخارج يعني "أن تكون صوتا جديدا لشخص جديد تماما، أن تستخدم حبالا صوتية جديدة، وقاموس كلمات وأفعال جديدا".

المسرحي أيهم الآغا: تعبنا من الترحال 

تلاشي المكان
ويؤكد الآغا أن المسرح يعد من أصعب الفنون التي تتعرض لضغط المنفى والتهجير "وذلك بسبب طبيعة العمل الجماعي الأصيلة فيه، وهذا ما يكسبه طابعا محليا خاصا، لكن من ناحية أخرى هنالك لغة عالمية مشتركة للمسرح توحدها مناهج التدريس المشتركة".

ويبين أن التحدي الأكبر بالنسبة له في برلين هو مشاركة الجمهور المتعة والتجربة الشخصية في كل مرة معهم، قائلا "عندما أقف على خشبة المسرح يتلاشى المكان لدي وأنسى اللغة، ولا يهم إن كنت داخل سوريا أم خارجها، تبقى هنالك مشكلة الفقد، أي الحنين للغة ولجمهور يعرف أدواتك ويتفاعل معها بطريقة مختلفة، بالإضافة إلى التعب من فكرة الترحال وعدم الثبات".

أما المخرج طلال ديركي (٣٨ عاما) فقد قدم إلى برلين كي يكمل إنتاج فيلمه الشهير "العودة إلى حمص" في صيف عام ٢٠١٣.

ويقول عن تجربة الخروج الخاصة به "بقيت أتردد على برلين حتى أصبحت -تقريبا- وطني الثاني، سنحت لي الفرصة هنا بنسج علاقات طيبة مع مجموعة جيدة من العاملين في الفيلم الوثائقي من الألمان، واكتسبت من خلال العمل معهم خبرة التقاليد الأوروبية والألمانية في صناعة الفيلم".

طلال ديركي مخرج فيلم "العودة إلى حمص" 

إيصال الألم للعالم
المنفى الألماني فتح الباب أمام ديركي في نقل الفيلم السوري لفضاءات أكثر عالمية، وفي تطوير طرائق الإنتاج وتقنيات العرض.

كما تعد برلين من مراكز الدول التي تضم عددا كبير من العاملين في مجال السينما، حيث أصبحت مستقرا لكثير من السينمائيين السوريين، مما "يخفف من صعوبة المنفى".

من جانبه، يوضح الموسيقار وعازف الكمان علي مورالي (٣٦ عاما) إن ألمانيا لم تكن وجهته الأولى، حيث نزح من دمشق إلى إسطنبول التي ضاقت به ثم لجأ إلى ألمانيا.

يقول مورالي "خالي مغترب هنا في ألمانيا منذ ستين عاما، زرته وأهلي عدة مرات، سكنت ألمانيا في ذاكرتي لذلك حيث آتي إليها أحس كمن عاد إلى مكان يعرفه وليس كمن ذهب". 

ويشير إلى أن ألمانيا بلد فعال "والفعالية هنا هادئة وتشعرك بالسكينة وبعيدة عن الضجيج، الكل يعمل بصمت ويستمر في العلم". ويرى أن هذا الجو يدفع الفنان للانخراط في حراك البلد الثقافي والإبداعي. 

التشكيلي عبد الرزاق شبلوط: المنفى مؤلم كالاستبداد

الخروج هزيمة
من ناحية أخرى، يرى الرسام التشكيلي عبد الرزاق شبلوط (٤١ عاما) أن وجوده كلاجئ خارج وطنه له معنى وحيد وقاس "إنه الذل بشكل مكثف، حيث خوفي الشخصي المستمر من الاعتقال والموت لأصدقائي في الداخل، وخوفي على عائلتي الصغيرة جعلني أخرج من سوريا منكسرا ومهزوما، المنفى كالاستبداد هو عدو أقوى مني وهذه حقيقة، وكل ما نقوله عن العزيمة والإرادة والتصميم والقوة الداخلية ما هو إلا محض أفكار براقة وكلمات كبيرة نعزي بها أنفسنا ونداري خيبتنا وفشلنا في المواجهة مع الموت".

ويشير شبلوط إلى أن اللجوء ذل والمحصنون منه هم القتلى "هزيمتي الشخصية بأن أخوتي ماتوا داخل سوريا، وأخي الجريح حتى الآن يرفض الخروج، هذه هزيمة أحاول مداواتها بالرسم وبتحقيق نجاحات فنية ولو نسبية، أحاول أن أشرح الهم السوري للأصدقاء الألمان بكل موضوعية".

المصدر : الجزيرة