حاورها: محمد نجيب علي

اعتبرت الأكاديمية والأديبة السودانية د. نعمات كرم الله أن النقد موجود ولكن يفتقد لمرتكزاته الأساسية، مشيرة إلى وجود الصعوبة في تقبل النقد في مجتمعاتنا العربية.

وشكلت كرم الله حضورا فاعلا في المشهد الثقافي السوداني في مجال النقد وتقديم الأوراق العلمية المتعلقة بالأدب في مؤتمرات وأنشطة ثقافية مختلفة ودوريات داخل وخارج السودان.

وكانت تلك الأديبة قد درست بجامعة الخرطوم في كلية الآداب تخصص لغة إنجليزية وفرنسية، ونالت الدكتوراه بجامعة السوربون بباريس عن بحثها في نظرية الحجاج في اللغة.

وقد عملت كرم الله في لجان تحكيم جائزة الطيب صالح في مجالي القصة والإبداع الروائي بمركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، كما عملت أستاذة للأدب واللغات بالعديد من الجامعات السودانية، ومن مؤلفاتها "رؤى في نقد النقد في الأدب السوداني، دراسات لسانية في بعض النصوص الأدبية". الجزيرة نت التقت كرم الله، وكان هذا الحوار:

 لماذا اخترت نظرية الحجاج في بحث رسالة الدكتوراه؟

هذه النظرية تتخذ من استخدام اللغة في النصوص الأدبية أساسا لها، وتنطلق من أصول البنيوية التي تنفي صلة الدّوال بعناصر الواقع أو الأشياء. وبذلك يبعد الدرس اللغوي عن أطر المنطق تماماً ويتجه نحو تفسير اللغة باللغة نفسها، وهذا من خلال امتدادات الخطاب وعلاقة المفردات والجمل ببعضها من وجهة نظر دلالية جدلية أو حجاجية.

والفائدة الأساسية للغويات هي خدمة الأدب من خلال إيجاد معانٍ ودلالات تفضي إلى قراءات وتفاسير غير تقليدية للنصوص الأدبية. وفي هذا الصدد، نجد العديد من المدارس التي تعمل لتطوير هذا التوجه، منها المدرسة الإسكندنافية التي أسست لنظرية تعنى بدراسة التعددية الصوتية في النصوص الأدبية وأدواتها.
ما رأيك في القول إن أزمة الإبداع في غياب النقد؟

النقد موجود ولكن يفتقد لمرتكزاته الأساسية. فهو ليس فقط التعبير المكتوب أو المنطوق من النقاد عن سلبيات وإيجابيات المنتوج الإبداعي في أي مجال من المجالات بغرض تبيين مواضع القوة والضعف فيها، بل يجب أن يمتد النقد ليشمل نقد الذات في كل ما يتعلق بها من سلوك يومي وأخلاق وممارسات وفكر وغيره، وذلك انطلاقا من أن الذات ظاهرة تشكل المجتمع لكونها تنتمى لموروث كبير تاريخي وسياسي واجتماعي وثقافي وفق سلوك معيّن.

فنقد الذات يعتبر خطوة أولى لنقد المجتمع كظاهرة من وجهة نظر فلسفية، والكتابة الإبداعية هي مرآة لهموم المجتمع. وهكذا يفترض أن يبدأ الإنسان بنفسه كظاهرة لها أبعاد داخلية بما تستند إليه من فكر يحكم علاقاته مع الآخر وفكره، وأبعاد خارجية بما يرشح من سلوك.

لكن لماذا توجد صعوبة في تقبل النقد في مجتمعنا العربي؟

الصعوبة التي يواجها النقد في مجتمعاتنا العربية، هي إشكال مزدوج: الأول يتمثل في التربية الخاطئة والاعتداد الزائف بالرأي وعدم قبول الانتقاد واعتباره عداوة شخصية أكثر منه آراء بناءة للتقويم والتقييم الذي تصب مصلحته في التطوير والرقي الذي يعني تحضر المجتمعات. وهذا يظهر في فقه الإخوانيات المتبع في مشاهد مختلفة، ويعتبر هذا حالة عابرة.

والثاني -وهو الأهم- يتمثل في التركيز على الذات كظاهرة. فلا بد من رؤية هذه الذات بشكل محايد، ويجب أن يكون الإنسان آخر لذاته بمعنى أن يكون محايدا حتى يقرأ ذاته بموضوعية.هل يمثل النقد روح التحليل؟

النقد ليس وجهة النظر المعارضة، ولكنه وجهة النظر المحللة التي تكشف مكنونات الظاهرة حتى تكون مهيأة للدراسة والتفكيك بشكل دقيق يفضى إلى التطور والاستمرارية.

وإذا كان النقد إبداعاً فهو يشترط ذائقة نقدية وذهنا مدربا بامتلاك أدوات نقدية تستند إلى منهجية علمية موضوعية مناخها الأساسي هو الوعي والحرية، والوعي بهذه الحرية وقيمتها بغية محاربة المحاولات المستميتة للتنميط بخلق ذائقة مشتركة.

 برأيك هل الأكاديميون منفتحون على الحركة الإبداعية؟

مسؤولية الناقد الأكاديمي كبيرة جدا، إذ عليه أن يضيف باستمرار إلى المعارف النقدية وذلك عن طريق إنتاج النظريات والبحوث بصورة عملية منهجية تتخذ من النقد فلسفة. وهذا الدور مفقود عندنا بالرغم من أهميته القصوى باعتباره الأساس الذي يقوم عليه كل النشاط النقدي، من أجل صياغة آليات تدفع بالعمل الإبداعي للأمام بالنسبة للكاتب والقارئ معاً. وعليه يجب على الناقد الأكاديمي أن يخرج من تقوقعه في مؤسسته.

 ما رأيك في استخدام مفهوم "الشعرية" في الحقل السردي؟

أعتقد أن هذا من إخفاقات التجنيس الأدبي مما يتطلب ضرورة الانتقال من التصنيف البيولوجي إلي حقل اللغة، لأن الأدب أساسه اللغة التي تتميز بقدرتها علي إخفاء المعاني وراء إشارات مضللّة وأنّ عدم البراءة الذي يميّز اللغة أنها ما أن تدخل في علاقة يتبادلها الأشخاص حتي تتسم بالغموض.

وهذا الكلام معناه أن اللغة في اشتغالها غير محتاجة للأوزان والتنغيم وأن هذا يتعلق بالحالة الإنسانية. والشعر لم يعد ذلك العالم الذي تحدده القوافي وتحدده قدرة المبدع وممارسته من خلال اختياره للمفردات ذات الدلالات، وبهذا تكون الموسيقى الداخلية للشعر نشاطا لغويا تشكله التجربة الإنسانية للكاتب.

 انفتاح النقد على كل المدارس الفلسفية.. ألا يضعه ذلك في مرتبة الفعل الموجب داخل بنية الكتابة؟

أعتقد أن النقاد عموما هم ضحية حقيقية لرؤى نقدية هي في حد ذاتها قاصرة أو متناقضة أو ناقلة لرؤى أخرى بطريقة غير دقيقة، عن طريق الترجمة، وتعرضها على أنها رؤى كاملة يمكن تبنيها لتفكيك النصوص الروائية وغيرها، والوصول لتأويلات مقنعة شكلياً. وهكذا تتسبب في عرقلة التلقي والتأويل الحر لدى القارئ وتتدخل في إمكانية وصول هذا المتلقي الناقد لأفق مرضٍ وفعّال.

 هل المرأة العربية هي الأكثر قدرة على الكتابة عن همومها وقضاياها؟

يجب التنبيه بأحقية وأهمية المشاركة بين المرأة والرجل في التعبير عن همومهما معا. فالمسؤولية مشتركة حتى يصل الاثنان بأعمالهما إلى تكريس الوعي العام اللازم في المجتمع. فعلى المرأة أن تعمل بفاعلية حتى تسهم أسوة بالرجل في كافة قضايا المجتمع بالكتابة عنها وإعطاء رؤيتها. وهذا لا يتعارض، في اعتقادي، مع مقدرتها الكبيرة على التعبير عن همومها. والمرأة تتحدث بعمق عن معاناة النساء النفسية من فقدان أزواجهن وأبنائهن.. إلخ.

ما هي إضافة الطيب صالح للسرد الإنساني؟

ترتكز إضافة الطيب صالح على اهتمامه بالفكرة في عكس ثقافة مجتمعه وعاداته وتقاليده وهمومه، وفي الاختلاف والتجديد علي مستوى البنية الموضوعية للنص والحبكة السردية ذاتها، إضافة إلى ذلك مزجه بصورة أصيلة ولطيفة بين اللغة الفصحي والعامية وتأثيره على السرد العربي، وهو من أوائل الكتاب الذين عرضوا مسألة الصراع الثقافي بين الشرق والغرب ولا زال يدرس.

المصدر : الجزيرة