إبراهيم صموئيل*

كيف كان للكاتب أو الفنان أو المفكر أو لأي مشتغل في شؤون الإبداع عامة أن يتفرغ  لنشاطه ويعطيه من وقته وذهنه وطاقة روحه متأملا، ومتفكرا، ومحلقا في فضائه لولا أن ثمة من أناب نفسه عن المبدع في تحمل شؤون البيت الكثيرة وحل مشكلات أفراده وتدبر الحياة اليومية بمحض إرادته ورضاه واستعداده؟!

وللتأكيد على دور وفضل من ينيب نفسه عن المبدع في تحمل كل الأعباء عمد أكثر من مشتغل في حقل الكتابة وحقول الإبداع بعامة إلى تصدير عمله بالجملة العتيدة التي اعتدنا مطالعتها "إلى زوجتي التي لولاها ما كان لعملي هذا أن يرى النور".

وحقيقة، لم أقرأ يوما إهداء كهذا إلا وراحت ذاكرتي تسترجع صورا ومشاهد ووقائع لا تحصى من الحياة الأسرية لكتاب وفنانين أتيح لي الاطلاع عليها ومعايشتها عن كثب فلاحظت كيف شكلت زوجة كل منهم "الملاك الحارس" له ولنشاطه بالكفاءة كلها، والرضا الصادق الصميم، بل لا أبالغ لو أضفت: وبالبهجة العارمة أيضا.

لولاها ما كان..
وإن المرء ليذهل حقا -فضلا عن الإعجاب والتقدير الطبيعيين- من: كيف صار لتلك الزوجات ولأمثالهن أن ينبن أنفسهن عن أزواجهن للقيام بكل ما يتعلق بالأسرة بما فيها الأعمال التي تتطلب قوة بدنية وخشونة، فضلا عن إنجاز ما يتصل بشؤونهن الخاصة والعناية بأنفسهن، بما في ذلك العمل على تثقيف ذواتهن كي يواكبن ثقافة أزواجهن، فلا يلحق بهن التذمر الفلكلوري التقليدي لدى أغلبية المبدعين من عدم فهم وتفهم زوجاتهم لعوالمهم الروحية ولنشاطهم العظيم!

في مقالي هنا وددت التوقف مع كائن إنساني ليس له دور بإنجاز المبدع فحسب، بل هو في المتن والصلب أيضا من أسباب تحقق أعمال المبدع، وظهورها لنا على النحو الذي نتلقاه

والقول السابق المتضمن "لولاها ما كان.." لا يذكر من باب المجاملة والملاطفة، وإنما من حقيقة أن الكتب والمعارض والأعمال الموسيقية وغيرها ما كان لها أن تنشأ وما كان لها أن تظهر وتعرف لولا تطوعت الزوجة بإضافة أعباء كل المسؤوليات والواجبات الطبيعية لزوجها إلى مسؤولياتها وواجباتها، بحيث يتخلص الزوج من كل شاغل سوى اهتمامه وانكبابه كليا على شؤونه.

ورغم هذا الدور المتسم بالتضحية والغيرية والنبل فإن العديد من تلك الزوجات تتم مكافأتهن -عمليا وسلوكيا- من قبل عدد من أزواجهن بالإهمال والنكران والجحود على نحو غريب! أزواجهن المفترض أنهم الأكثر تقديرا واحتراما للجهد البشري، والأشد حماسة في الدفاع عن قيمته الإنسانية.

هل أبدو في كلامي هذا كمحام يترافع في قاعة محكمة؟ ربما، بيد أنني وددت في مقالي هنا التوقف مع كائن إنساني ليس له دور بإنجاز المبدع فحسب، بل هو في المتن والصلب أيضا من أسباب تحقق أعمال المبدع، وظهورها لنا على النحو الذي نتلقاه، كائن إنساني يندر جدا في المجالس الثقافية أن يذكر دوره وفضله كما لو كان التغاضي عنه وتجاهله علامة امتياز من الضروري توفرها في كل مشتغل في الحقل الثقافي!

جحيم البيت
بالطبع، في المقابل ثمة زوجات حولن حياة أزواجهن المبدعين إلى جحيم جراء شح اهتمامهن وانعدام تقديرهن ولجاجة متطلباتهن بحيث شكلن كوابيس لا تحتمل في حياتهم، مما يدفع البعض منهم إلى الانفصال.

ثمة زوجات حولن حياة أزواجهن المبدعين إلى جحيم جراء شح اهتمامهن وانعدام تقديرهن ولجاجة متطلباتهن بحيث شكلن كوابيس لا تحتمل في حياتهم

تماما، كما أن ثمة أزواجا من الفظاظة والبؤس بل والاستخفاف أحيانا بمواهب زوجاتهم المبدعات، أو التذمر من اهتمامهن بمنجزهن الأدبي والفني والفكري على نحو يدفع البعض منهن إلى القيام بطلب الانفصال أيضا.

غير أن مربط الفرس -كما يقال- ليس في وجود أمثال من ذكرت للتو، وإنما الغاية وضع خط تحت نافل القول إذا كان للمرأة بعامة دور عظيم في صناعة الحياة فإن تلك الفئة من زوجات الكتاب يعتبرن "جمل المحامل" اللواتي يصنعن -بجدارة ونبالة- حياتين في آن معا، وهذا حظ ذهبي للكاتب والفنان لا يقدره إلا من افتقده.

وبشيء من الوضوح والمكاشفة يمكن ملاحظة أن النزعة الذكورية في مجتمعاتنا العربية تمد ظلالها نحو عدد من المثقفين أيضا، إذ في حال قام الزوج بتوفير المناخ المناسب لزوجته كي تنكب على اهتمامها الأدبي أو الفني فإن سلوكه هذا سيكون عملا بطوليا عظيما لا يمكن إغفاله، في حين بالكاد يتم الالتفات إلى العكس، إذ ينظر إليه باعتباره تحصيل حاصل، وأمرا واجبا على الزوجة من المستهجن والغريب ألا تقوم به، وعلى أكمل وجه أيضا.

ألا يقع وسطنا الثقافي -من حيث يقصد أفراده أو لا يقصدون- في ما لا يليق بصفته حين يجري الحديث ويتشعب عن كل صغيرة وكبيرة من شؤون الكاتب وحياته وإبداعاته وأثره الكبير في المشهد الثقافي من دون أن نلتفت التفاتة وافية وواجبة إلى أهمية دور وجهود تلك المرأة -زوجته- في تحقق وظهور أعماله لنا، كونها بهذا لم تكن رفيقة دربه الطويل فحسب، بل كانت الدرب نفسه كما عبر يوسف إدريس ذات يوم؟!
_________________ 

* كاتب وقاص سوري

المصدر : الجزيرة