عبد الحكيم أحمين

صدر حديثا كتاب للدكتور مصطفى الطوبي يتناول قضية الترجمة من زوايا جديدة وبطرح تجديدي يستوعب أصولها وآلياتها وأبعادها، ويفرق بين ثلاثة حقول معرفية تشهد نشاطا للترجمة دون فصل ولا ضوابط.

ويتناول كتاب "الترجمة بين الاتباع والإبداع" -الذي صدر عن دار قرطبة بالمغرب- ثلاثة مستويات جوهرية في الترجمة وفي ثلاثة فصول، وهي ترجمة الشعر، وترجمة العلم، وترجمة الدين.

ويشير الطوبي إلى أن مفهوم الترجمة يختلف من مجال إلى آخر حسب استيعاب بنية التواصل المبطنة في كل مستوى، "إذ إن التواصل في الشعر ليس هو التواصل في العلم، وهذان التواصلان معا لا يشتبهان مع التواصل في الخطاب الديني".

ويوضح الكاتب أن التواصل التفاعلي في الشعر يفرض ترجمة من نوع خاص تكرس تدخل المترجم، مما حدا به إلى الحديث عن "الإبداع الموازي"، وأن التواصل الرياضي الكمي في العلم يفرض ترجمة دقيقة أمينة، وأضاف أن "التواصل الاندهاشي إزاء النص الديني يفرض مبالغة في اتباع الرسالة الأصلية ومبالغة في الوفاء بمضمونها".

المؤلف يركز على مواطن الخلل في تقويم ظاهرة الترجمة، خاصة ما يرتبط بالشعر من شروط الحرية والتصرف، وما يرتبط بالقرآن الكريم من شروط الأمانة والالتزام والضبط

إبداع مواز
ويركز الطوبي في كتابه أيضا على "مواطن الخلل في تقويم ظاهرة الترجمة، خاصة ما يرتبط بالشعر من شروط الحرية والتصرف، وما يرتبط بالقرآن الكريم من شروط الأمانة والالتزام والضبط".

ويوضح ذلك من خلال مسألتين مهمتين ضمن مسائل الترجمة، أولاهما تتعلق بترجمة الشعر، حيث يرفض الكاتب رفضا قطعيا استعمال مصطلح "ترجمة" ويطلق مكانه مصطلح "الإبداع الموازي"، حيث يمارس المترجم الحريةَ في الترجمة مع ما يستتبع ذلك من خوض في إشكالية الخيانة، والمسألة الثانية ترتبط بترجمة النص الديني من خلال التركيز على ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأخرى، متوقفا عند المستوى البلاغي واللساني.

ومن هذه الزاوية، تبرز ثنائية الكتاب المتمثلة في الاتباع والإبداع. ويقصد الكاتب بالاتباع الالتزام بالنص والأمانة، وبالإبداع التمردَ على الحرفية وتوخي الحرية والتصرف النسبي.

كما يبسط الطوبي في كتابه نموذجا لثنائية الأنا والآخر من خلال مناقشة مقترح الترجمة التأصيلية في الفلسفة. و"تكمن وجاهة هذا المقترح في إضاءة مكونين متكاملين في النقل، مكوّن البيان، ومكوّن المجال التداولي. ثم بسطت هذه الثنائية من خلال مجال علم المخطوطات".

استلاب نفسي
ويقول الأستاذ في جامعة ابن زهر في أغادير إن مشاكل الترجمة تتم من خلال المترجم غير المنتبه على وضعية اللغة ذاتها، وغير البصير بالتغيرات والتحركات اللغوية التي تنجم عن فعل الترجمة، وتخلف آثارا سلبية على اللغة نفسها. كما يؤكد صحة ما أقره علماء الترجمة بأن الاحتكاك اللغوي مع الإنجليزية والفرنسية وغيرهما هو رأس مشاكل الترجمة.

الطوبي يقر بأن للترجمة مخلفات وخيمة على السلامة اللغوية والصفاء اللساني، في ظل محيط العولمة اللغوية التي تجثم على اللغات المتأخرة عن ركب الحضارة

ويقر الطوبي بأن للترجمة مخلفات وخيمة على السلامة اللغوية والصفاء اللساني، في ظل محيط العولمة اللغوية التي تجثم على اللغات المتأخرة عن ركب الحضارة، "إذ لا مجال للحديث عن التقدم اللغوي للغة معتوهة في العصر الحديث، أو قابعة في قاعة انتظار العصور الوسطى، على نحو ما هو حاصل للغة العربية التي لم تبق مسايرة للعصر، أو على الأصح لم نُردْها أن تبقى كذلك، ولا مسهمة في الانفجار التكنولوجي والمعلوماتي، بسبب ما نفعله نحن إزاءها من ترشيد لغات الآخر، واتهامها عن جهل بها، واستلاب نفسي صارخ في الآخر الراشد حسب رؤيتنا الضيقة لغويا وحضاريا".

يذكر أن للدكتور مصطفى الطوبي عددا كبيرا من المؤلفات والبحوث الأكاديمية، أهمها "مقالات في علم المخطوطات" (2000)، والديوان الشعري "نافذة لعويل الريح" (2002)، وترجمته لكتاب "مدخل إلى علم المخطوط" لجاك لومير (2006)، وغيرها.

المصدر : الجزيرة