حاوره/ هيثم حسين-إدنبره

حب اللغات والثقافات والرغبة في الاستكشاف والتعرف من ضمن الأمور التي قادت الباحث والمترجم الإيطالي أليساندرو كولومبو إلى تعلم العربية وإتقانها، ومن ثم الترجمة منها. وقد جاءت ترجمته لمجموعة "تكسير رُكب" للقاص السوري زكريا تامر، التي صدرت مؤخرا باللغة السردينية، بمثابة حدث ثقافي هام، ذلك أنه يعتبر أول كتاب يترجم من العربية للسردينية.

كولومبو المنحدر من أصل سرديني، والذي يدرّس العربية لغير الناطقين بها في جامعة إدنبره بأسكتلندا، إلى جانب إعداده لأطروحة الدكتوراه التي يتناول فيها أعمال السوري زكريا تامر، يرجو أن يساهم بدراسته وتجاربه وأعماله في إقامة جسور للتفاهم والتواصل بين الشعوب التي يتقن لغاتها من خلال تقديم الصورة الحقيقية عن كل منها للآخر.

"الجزيرة نت" التقت المترجم كولومبو بمناسبة صدور ترجمته "تكسير رُكب" وكان الحوار التالي.

 ما هي الدوافع التي قادتك لتعلم العربية ودراستها، ومن ثم إلى الترجمة منها، وأنت تتقن الإيطالية والسردينية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية والكتالونية؟ فأي إضافة تشكلها لك العربية في هذا المجال؟

بدأتُ دراسة اللغة العربية قبل عشر سنوات في جامعة بولونيا الإيطالية في إطار دراستي الجامعية في كلية اللغات والآداب. ومنذ أن كنت مراهقا كنت أتابع باهتمام الأحداث التي هزت فلسطين خلال الانتفاضة الثانية، الأمر الذي أثار اهتمامي في العالم العربي، إلا أنه لا شيء قادني إلى هذه اللغة إلا حبي للغات والثقافات الأخرى والرغبة في الاستكشاف والتعرف إلى كل مختلف.

غير أني لم أتمكن من إتقان هذه اللغة بالإضافة إلى العامية الدارجة إلا بعد إقامتي في دمشق عام ٢٠١٠، حيث بدأت أتناول المبادئ الأساسية في الأدب العربي الحديث وأعمال القاص السوري زكريا تامر بالتحديد. بالنسبة إلي، كان تعلم اللغة العربية وسيلة إلى استكشاف الأدب العربي والسوري تحديدا الذي أصبح الآن موضوع دراستي الرئيسي.

 تظل اللغة ككائن حي تعبيرا عن حياة برمتها، ووسيلة تعبير عن عادات الشعوب وعلومها، أين تجد نفسك وسط هذه اللغات وقد تنقلت بين عدد من الدول في الشرق والغرب؟ وأين الجسور والحدود بالنسبة لك معها؟

بالطبع استفدت كثيرا من تعلم اللغات استفادة أثّرت في دراساتي وعملي تأثيرا إيجابيا. منذ بداية دراستي الجامعية حاولت أن أكتشف لغات وثقافات أخرى بموازاة اكتشاف ثقافة سردينيا الأدبية والتاريخية. فعلى سبيل المثال فتحت لي دراسة العربية بشكل عام وأدب زكريا تامر بشكل خاص أبواب المعرفة الثقافية والاجتماعية للمجتمع العربي، والسوري على وجه الخصوص، والتعرف إليه عن قرب بحيث تحملك كل كلمة إلى مدلولات اجتماعية تختلف باختلاف سياقها ومتحدثها، الأمر الذي سينعكس على أسلوب التواصل مع المجتمع وأفراده ومعرفة ردود أفعالهم.

دراسة العربية فتحت لي بشكل عام، وأدب زكريا تامر بشكل خاص، أبواب المعرفة الثقافية والاجتماعية للمجتمع العربي والسوري على وجه الخصوص

وفي المقابل، عملتُ خلال إقامتي في سوريا جاهدا لتقديم الصورة الأكثر دقة وواقعية عن سردينيا إلى أصدقائي السوريين خاصة والعرب عموما، إذ أن ما يُعرف عن سردينيا حول العالم لا يتعدى جمال طبيعتها ومناطقها السياحية، الأمر ذاته بالنسبة لمعلومات شعبنا عن سوريا، والذي غالبا ما يكون متأثرا بصور نمطية تنقلها وسائل الإعلام وذلك - باعتقادي المتواضع - بسبب عدم التعارف المباشر والاختلاط بيننا وبين شعوب البحر المتوسط.

ترجمة "تكسير رُكب" للقاص السوري زكريا تامر إلى السردينية

ومن هنا، أرجو أن أساهم بدراستي وتجاربي في إقامة جسور للتفاهم والتواصل بين هذه الشعوب من خلال تقديم الصورة الحقيقية عن كل منها.

ولكل القراء والمهتمين وذوي الرغبة في استكشاف سردينيا وتاريخها، أوصيهم بقراءة رواية "كنا نخطو على الأرض بخفة" للروائي السرديني سيرجيو أتسيني التي قام بترجمتها من الإيطالية ناصر إسماعيل ونشرتها دار كلمة الإماراتية عام ٢٠١١.

وتُعد هذه الرواية من أروع الروايات السردينية الحديثة، إلا أنها لم تصدر سوى باللغتين الإيطالية والسردينية ومؤخرا بالعربية. وهذه الرواية حكاية ملحمية أسطورية لتاريخ جزيرتنا منذ قدوم أول أناس إليها حتى عام ١٤٩٢، أي تاريخ انهزام مملكة القُضاة السردينية وغياب حريتنا.

 صدرت مؤخرا ترجمتك لكتاب "تكسير رُكب" للسوري زكريا تامر بالسردينية، حبذا لو تحدثنا عن هذه التجربة والملابسات التي صاحبتها وصولا إلى النشر؟

بالنسبة لي كباحث في الأدب العربي المعاصر، يُعد صدور هذه الترجمة إنجازا كبيرا، كما أنها تُعد معلما تاريخيا للغة السردينية، إذ لم يسبق لأي كتاب بالعربية أن تُرجِم إليها، ولذلك يبدو غريبا الرفض الذي تلقيته من عدد من الناشرين في سردينيا، الذين -على ما يبدو- لم يقدروا القيمة المعنوية والأدبية لهذه الترجمة، ولا قيمتها اللغوية ودورها في تطوير لغتنا، وبرأيي فإن دار النشر التي نشرت الترجمة ستشكل سبقا لا نظير له في ميدان النشر، ذلك أن الناشر المتميز يبحث عن الابتكار إلى جانب تلبية ما يتطلبه سوق القراء، وذلك لرفع مستوى الوعي عندهم.

صدور ترجمة "تكسير رُكب" إلى السردينية يعدّ إنجازا كبيرا، إذ لم يسبق لأي كتاب بالعربية أن تُرجِم إليها

 في ظل عدم وجود قواميس مشتركة بين العربية والسردينية، كيف كنت تتغلب على عوائق الترجمة وصعوباتها؟

اعتمدت على عدد من القواميس في اللغات التي أتقنها كالإيطالية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية والكتالونية. بالطبع لا يمكن الاعتماد على القواميس فحسب، إنما أنت بحاجة إلى توضيح ثقافي واجتماعي للكلمات، خاصة أن هذا البعد هو ما يعطي الكلمة مكانتها في السياق الذي تُترجَم منه، وهنا كانت مساعدة صديقتي صفاء التي كانت أستاذتي في جامعة دمشق هي الداعم للوصول إلى المعنى الأكثر دقة لكل كلمة في القصة.

غير أن الأصعب في قيامي بهذه الترجمة -كما هو المعروف في مشاريع كهذه- هو اللغة الهدف، أيْ اللغة السردينية، التي على الرغم من أنها لغتي الأم فإني ما تعلمتها في المدرسة، وإنما تمكنت من اكتساب نماذجها اللغوية والتعبيرية الأدبية من خلال قراءاتي واطلاعي على أنماط ونماذج متنوعة من الأدب. للأسف حتى الآن لا تُدرس السردينية في المدارس، ويتراجع استخدامها حتى في الحياة اليومية وفي المدن الكبيرة خاصة، حيث تفضل الأسر أن تتكلم الإيطالية مع أولادها.

وهنا أود القول إن علينا أن نناضل لرفع السوية اللغوية في بلدنا، وأتمنى أن تسهم ترجمتي وجهودي في توعية مجتمعنا حول قدرة اللغة على توسيع الآفاق، وبوسعها تعريفنا إلى ثقافات أخرى وتقدير أبعاد اجتماعية وإنسانية قد لا نلتقيها يوميا في بلدنا، حتى وإن كانت لغة أقليات.

 كيف تجد تلقي القارئ السرديني للكتاب، ولا سيما أنه يعد الأول من نوعه الذي يُترجم من العربية إلى السردينية على الإطلاق؟

لم يفاجئني إقبال القراء على الكتاب. من جانب الأكاديميين لم أتلقَ أية ردة فعل ولا حماس أو حتى اهتمام. الفئات الشعبية وغير الرسمية هي التي هنأتني وشجعتني على القيام بترجمات أخرى إلى السردينية. للأسف، يبدو أن النخبة المثقفة في سردينيا لا تستوعب أهمية المناهضة اللغوية وضرورة انعتاق لغتنا كخطوة أساسية لانعتاق شعبنا.

 هل تأتي أطروحة الدكتوراه لديك تتمة لعملك في ترجمة أعمال زكريا تامر أم تقارب مواضيع أخرى مختلفة من أعماله؟

حاليا، أنا طالب دكتوراه بجامعة إدنبره الأسكتلندية، إلى جانب تدريس العربية لغير الناطقين بها. لا أعالج موضوع الترجمة في الدراسات العليا التي أقوم بها، بل تتمحور أطروحتي حول أعمال زكريا تامر، وفيها أحاول أن أقوم بتحليل أعماله من خلال استخراج المعنى السياسي من القصص، ووضعها في سياق تاريخي وسياسي واجتماعي، وعلى سبيل المثال أكتب حاليا فصلا أحلل فيه تصوير وهجاء السلطة الأبوية في القصص، وما يتعلق بها من غياب الحريات في إطار أفكار هشام شرابي وحليم بركات.

المصدر : الجزيرة