أنطوان جوكي-باريس

منذ عملها الروائي الأول "في البدء كان البحر" (1996)، ما برحت الكاتبة الجزائرية ميساء باي تمنح في رواياتها صوتا لتلك الشابات في بلدها اللائي يسعين إلى شق طريقهن نحو الحرية.

روايتها الأخيرة "حيزية"، التي صدرت حديثا عن دار الفجر (L'Aube) الفرنسية، لا تشذ عن هذه القاعدة، بل تكشف مرة أخرى عبء التقاليد العائلية والاجتماعية التي تشكل عائقا "رهيبا" أمام تلك الشابات لبلوغ حريتهن وتحقيق ذواتهن.

بطلة الرواية "حيزية" هي شابة معاصرة لنا تعيش في الجزائر العاصمة، وتحلم بقصة حب مماثلة لقصة حيزية الأخرى التي ولدت في منطقة سيدي خالد الجزائرية عام 1855، وتحولت قصتها الحقيقية إلى أسطورة إثر رفضها الزواج بغير حبيبها، ووفاتها بعد شهر على زواجها منه.

أسطورة كتبها الشاعر محمد بن قيطون على شكل مرثية طويلة بطلب من الزوج الذي أراد تخليد ذكرى حبيبته الفريدة.

سلطة الأمهات
وحول حيزية المعاصرة، نعرف بسرعة أنها لن تتمكن -رغم إنهاء تعليمها الجامعي- من العثور على عمل في ميدان تخصصها، ولذلك نراها تعمل في صالون لتزيين الشعر وتغذي حلما بمستقبل وحب استثنائيين، رافضة حياة محددة سلفا بحكم كونها امرأة.

صعوبة الحياة تتجلى في الرواية من خلال معيشة أمهات محرومات وحارمات، ومأساة زميلات حيزية في عملها اللائي دفعن أحيانا ثمنا باهظا لرفضهن السلطة الذكورية على حياتهن

العائق الأول الذي سيعترض طريقها هو أمها التي تترصد جميع تحركاتها وتفتش غرفتها أثناء غيابها بحثا عن دليل قد يثبت سلوكا مثيرا للشبهة.

ولا عجب في ذلك، فـ"من جيل إلى جيل، وللمحافظة على التقاليد، تمارس الأمهات سلطتهن -الوحيدة المسموحة لهن- على نساء وأمهات أخريات داخل فضاء المنزل المخصص وحده لهن".

هل ستتجرأ حيزية على مقاومة والدتها وعائلتها؟ هل ستعي حقيقة واقعها أم ستترك حلمها بحب مثالي يغشي بصيرتها؟

بموازاة عملية سرد الحياة اليومية لهذه الشابة، نستمع في الرواية إلى صوت آخر، صوت ضمير حيزية الذي يسائل ردود فعلها على أحداث حياتها ويلومها على ضعفها ومخاوفها وشكوكها، ولا يتردد في تحليل سلوكها الملتبس أحيانا "في النهاية، أنت المسؤولة عن وضعك هذا، بسبب جبنك، نعم جبنك الذي تفضلين إدراجه في خانة الاحترام (للأهل) وهو أمر مريح".

صوت يعطيها نصائح كي تتجرأ على العيش بطريقة مستقلة وتحقيق رغباتها عبر منح نفسها الوسائل لتحقيق ذلك، متجاهلا صعوبة هذا الأمر الذي يتطلب محاربة قواعد عائلية صارمة ومرسخة منذ قرون طويلة.

وتتجلى هذه الصعوبة في الرواية من خلال معيشة أمهات محرومات وحارمات، ومأساة زميلات حيزية في عملها اللائي دفعن أحيانا ثمنا باهظا لرفضهن السلطة الذكورية على حياتهن.

واقع مرير
لكن هذا لا يعني أن وضع الرجال في هذه الرواية أفضل من وضع النساء؛ فوالد حيزية يبدو بدوره بعيدا عن واقع البلد الذي يعيش فيه، إذ نراه سجين حلمٍ لم يستطع تحقيقه، أي المشاركة في حرب تحرير بلده من المستعمر، لولادته في اليوم الذي انتهت فيه هذه الحرب، ومع ذلك، أو بسبب ذلك، يبدو متشبثا بالتماثل مع أبطال هذه الحرب لتشكيلهم مصدر كرامته الوحيد.

طبيعة الموضوع الذي تقاربه ميساء باي ليس جديدا، لكن الجديد هو المهارات السردية والكتابية التي تعتمدها لتصوير هذا الواقع بطريقة تجعل منه مرآة تعكس وضع معظم دول منطقتنا

ورغم غيرته على سلطته الكلية داخل داره، فإنه سيدافع عن ابنته حين يحاول شقيقها الصغير التشكيك بحقها في الخروج من المنزل للذهاب إلى عملها.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى شقيق حيزية الأكبر الذي ستظهر لنا مشاكله الكثيرة في الحوار الذي يدور في أحد المساءات بينهما، ويتبين فيه أن المسألة المطروحة في الرواية تتجاوز عذابات شابة تبحث عن طريقها الخاص، لتشمل مجتمعا كاملا يعاني أفراده من الأحكام المسبقة وانسداد الأفق.

وحول هذه النقطة، تقول الروائية على لسان إحدى شخصياتها "كيف يمكنكم أن تصدقوا بعد أن هذا البلد بحاجة لنا؟ الشبان الأوفر حظا والأكثر عنادا سيرحلون، وأفضلهم أيضا، وهذا خير لهم! وخير للبلدان التي ستستقبل وتستفيد من هؤلاء الأطباء والمهندسين وذوي الكفاءات المختلفة الذين لم تنفق قرشا عليهم".

طبيعة الموضوع الذي تقاربه ميساء باي في روايتها الأخيرة ليس جديدا، أي الواقع الاجتماعي والسياسي في بلد يهرس طموحات أبنائه وأحلامهم. الجديد هو المهارات السردية والكتابية التي تعتمدها لتصوير هذا الواقع بطريقة تجعل منه مرآة تعكس وضع معظم دول منطقتنا.

وفي هذا السياق، نشير إلى الطرافة الكبيرة التي تسيرها داخل نصها وتسهل على القارئ تبني خطابه، وإلى تمكنها من العثور على الكلمات الصائبة لوصف هذا الواقع المرير ونتائجه الخطيرة على أقدار شخصياتها.

المصدر : الجزيرة