علي البتيري*

صديقي الأستاذ "سعادة" لا يتحدث هذه المرة عن حزن خاص يفضّل أن يحتفظ به لنفسه، وإنما يكاشفني هذه المرة عن حزن عام يخيم على لغتنا الأم، ويلقي بظلاله الرمادية على قلب كل إنسان عربي غيور ينطق لسانه بالضاد.

صديقي الكثير الكلام "سعادة"، ولكونه معلما للغة العربية التي حالها لا يسر أحدا، ومن شدة حزنه عليها، أصبح قليل الكلام، وهو يتحدث عن ضعفها وهزال وشحوب كلماتها على ألسنة الناطقين بها، حتى تراه في بطء الحديث، والتلكؤ في استحضار الجمل القصيرة المختصرة، يضع لك بدل الفاصلة بين جملة وأخرى، آهة ساخنة تنبع من حزن لغوي عميق على ما لحق باللغة العربية من إهمال وتفرنج وتشويه وزرع هجين للمصطلحات الأجنبية، إلى الدرجة التي أفقدتها الشيء الكثير من أصالتها وفصاحتها وهويتها القومية، حتى باتت في نظر الأستاذ "سعادة" لغة متعددة الجنسيات تعاني من عقوق أبنائها واعوجاج ألسنتهم عندما ينطقون بها فيما بينهم، أو أمام غيرهم.

وحين تلوم الأستاذ "سعادة" على المغالاة في أحزانه اللغوية وعلى إفراطه في التشاؤم، يقول لك: أعطني عربيا واحدا يمتلك القدرة على استحضار الفرح أو صنعه وله قلب يتقطع حزنا على غربة اللغة الأم ورثائها الذي لا ينقطع لفقر وبؤس ألسنة الناطقين بها.

إرادة سرفانتس
وهذا لا يعني أن صديقي الأستاذ "سعادة" أصبح كتلة متحركة مجبولة من طين الحزن والتشاؤم، فهو كثيرا ما يلقي حمله الثقيل عن كاهله ليبتسم أو يضحك، مذكرا بالمثل القائل "شر البلية ما يضحك"، ومرددا قول الأديب جبران خليل جبران "أعظم ابتسامة هي الابتسامة التي تشق طريقها عبر الدموع".

في منتصف حديثه عن الحزن الخلاق النابع من تفاؤل الإنسان، تصحو في نفس الأستاذ سعادة أحزانه اللغوية النائمة، فيتراجع في دفاعه عن الحزن الخلاق الذي قد ينشل صاحبه من حضيض الفشل والانكسار ليرفعه إلى قمة النجاح

ويكفي الأستاذ "سعادة" ليجعلك تقتنع بفلسفة تمرده على حزنه اللغوي، أن يذكرك بموقف الروائي الإسباني ذائع الصيت "سرفانتس" الذي ما إن وصل إلى قمة بؤسه وأحزانه حتى فكر في تأليف روايته الفكاهية الساخرة "الدون كيشوت".

وهنا يتفنن الأستاذ "سعادة" في تصويره لمنظر الروائي الإسباني البائس "سرفانتس" وهو يعكف على تأليف روايته بجيوب فارغة من النقود ومعدة خاوية من الطعام، وبذراع واحدة، حيث الذراع الأخرى قطعت وأكلتها الحرب التي لفظته وألقت به على قارعة الطريق خائبا مدحورا.

وقبل أن يدهشك المثال الذي يطرحه لتعزيز إيمانه بالحزن الخلاق، يرفعك إلى درجة أعلى من الإحساس بالدهشة حين يصف لك تحدي مؤلف الرواية "سرفانتس" لأحد الظرفاء الماكرين الذي استغل فقره وعوزه وعجزه عن إصدار الجزء الثاني من روايته، فقام بالنيابة عنه بتأليف وإصدار الجزء الثاني من الرواية، وحقق ربحا طائلا لم يحلم به المؤلف الحقيقي عندما أصدر الجزء الأول منها.. فما كان من "سرفانتس" إلا أن تحدى بإرادته الصلبة فقره وعجزه وقام بتأليف وإصدار الجزء الثاني الحقيقي من روايته.

وفي منتصف حديثه عن الحزن الخلاق النابع من تفاؤل الإنسان، تصحو في نفس الأستاذ "سعادة" أحزانه اللغوية النائمة، فيتراجع في دفاعه عن الحزن الخلاق الذي قد ينشل صاحبه من حضيض الفشل والانكسار ليرفعه إلى قمة النجاح.

عودة سيبويه
وأحزان اللغة الأم في تزايد ملحوظ عند الأستاذ "سعادة" هذه الأيام، حيث تجاوزت الحد المعقول والمحتمل، لدرجة أن ابتسامته لم يعد لها بريق على شفتيه، ولم يعد لغيوم همومه برق أو رعد يبشر بغيث ما.

سعادة يقول لي وهو يضرب أخماسا في أسداس: إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وهي ترى أزهار اللغة الجميلة تذبل وتجف على ألسنة الأجيال العربية، وتتساقط كأوراق الخريف من على شفاه تلاميذه وزملائه ومعارفه

وحين أعود إلى لومه من جديد يقول لي وهو يضرب أخماسا في أسداس: إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وهي ترى أزهار اللغة الجميلة تذبل وتجف على ألسنة الأجيال العربية، وتتساقط كأوراق الخريف من على شفاه تلاميذه وزملائه ومعارفه.

وحين أحرجه بسؤالي: أين إيمانك بحزنك الخلاق الفاعل والفائض بشهوة الإصلاح؟ ينفث آهة حارة تخالها تصدر عن موقد في مهب الريح، ويجيب: وماذا يصلح العطار مما أفسده الدهر؟ وكيف تريدني أن أتفاءل وأنا أحرص على أن يكون الفاعل في حصتي مرفوعا، لأجده في حصة التاريخ منصوبا وفي حصة العلوم مجرورا، وفي حصة الرياضيات مطرودا من حجرة الدرس.

وقبل أن أتجمل بالصبر أو أتحصن بالصمت، أضاف صديقي الأستاذ "سعادة" قائلا: ليت الأمر يا صاحبي ينحصر في حجرة التلاميذ داخل أربعة جدران، ولكن هذا الهزال اللغوي أصبح ظاهرة متفشية ومنتشرة على الألسنة كالوباء الذي يحمل العدوى، فأصبحت ترى أعراضه وعلله في المحاضرات الجامعية والندوات الأدبية واللقاءات الثقافية والتغطيات الإعلامية، ولا تخلو منه بعض الكتب والمجلات.

ولو قدّر للعالم اللغوي سيبويه أن يعود إلى عصرنا ليحضر إحدى هذه المناسبات الثقافية، لصرخ في الحضور بعد دقائق "أعيدوني إلى القبر يا حضرات"!

وإذا طلبتَ نقطة نظام لتحذّر من العواقب الوخيمة لهذا الضعف اللغوي العام، وقفت في وجهك جمهرة متفرنجة من الكتاب والقراء تتهمك بالحذلقة والفذلكة اللغوية المتشبثة بعصور غابرة، وكأنه قد أصبح للغة ما يعرف بـ"الموديل" أو تاريخ الصنع الذي يحدد صلاحية الاستعمال!

وقبل أن يغرقني صديقي الأستاذ "سعادة" في بحر أحزانه اللغوية الهائج المتلاطم الأمواج، بادرت بتثبيت أقدامي على حافة البحر قائلا: في وسعك يا صديقي أن تتقدم بعرض حال إلى أكثر من مجمع للغة العربية لعلك تجد نصيرا أو منفذا من الهم الذي أنت فيه.
_________________
* كاتب وشاعر فلسطيني 

المصدر : الجزيرة