حاوره/الخير شوار-الجزائر

يتحدث الروائي الجزائري محمد مفلاح عن الرواية التاريخية في الجزائر، وكيف عمل بعض النقّاد على "تكريس" نظرة أحادية مؤدلجة لفهم الأعمال الإبداعية ذهب كثير من الروائيين ضحية لها، فغابت كثير من المراحل المهمة من التاريخ عن الأذهان.

ويحاول مفلاح في بعض أعماله الروائية توظيف حقائق تاريخية غير مطروقة سرديا إلا في حدود نادرة، مثلما يفعل مع روايته "شبح الكليدوني" الصادرة حديثا عن منشورات "دار المنتهى" الجزائرية، حيث يتناول مأساة المنفيين الجزائريين إلى جزيرة كاليدونيا الجديدة في قلب المحيط الهادي في القرن التاسع عشر.

 تفتح روايتك "شبح الكليدوني" الصادرة حديثا جرحا قديما في الذاكرة الجزائرية، ماذا عن هذه المأساة؟

في روايتي الجديدة سلطتُ الضوء على مأساة الجزائريين المنفيين إلى المستعمرات الفرنسية، خاصة إلى جزيرة "كاليدونيا الجديدة" منذ سنة 1864، وكانت هذه الجزيرة الرهيبة سجنا للثوار الذين قاوموا قوات الاحتلال. وركزت في عملي هذا على متاعب أحد المنفيين بعد إخماد ثورة الشيخ الأزرق بلحاج المندلعة بمنطقة غليزان وضواحيها (الغرب الجزائري)، وانطلقت فيه من موضوع الاغتراب الذي يعيشه حفيد أحد المنفيين في هذا الزمن ثم سافرت بالقارئ إلى عالم الجراح العميقة ومنها جرح المنفيين الغائر في الذاكرة. للأسف لم نلتفت إليه ولم نخلد أسماء ضحاياه الذين خلفوا بعض أحفادهم في تلك الجزيرة، ويحملون اليوم أسماء جزائرية، ومنهم من يتولى مسؤوليات في تلك الجزيرة.

وفي "شبح الكليدوني" تفاصيل كثيرة مكتوبة بلغة موحية بآراء وإشارات إلى مسؤوليتنا الجماعية في نسيان هذا الجرح الذي خلفه العهد الكولونيالي، وصراحة لم نستطع حتى الآن تضميده على الأقل بإحياء ذكراهم الأليمة والكتابة عن مآسينا.

 رغم فظاعة المأساة التي لا تزال مستمرة إلى اليوم، فإنها لم تُتناول سرديا قبل الآن إلا في حدود ضيّقة. أهو النسيان أم التناسي؟

مآس كثيرة عاشتها الجزائر في عهد الاحتلال الفرنسي الذي ارتكب عساكره الجرائم ضد الإنسانية، وما زالت آثارها تسري في حياتنا اليومية، ولكن الجزائري في هذا الزمن لا يعي أن حاضره مجبول إلى حد بعيد بآلام تلك المآسي المرعبة. وسبب لامبالاتنا يعود إلى اهتمامنا الجنوني باللحظة الآنية التي سيطرت عليها الرغبة في الاستهلاك إلى جانب وهم المعرفة بحاضرنا، وكأننا نعمل دون وعي منا على طمس مآسي الوطن وإرث الأجداد حتى لا نبذل أي جهد فكري لمواجهة الذات المضطربة وآلام الذاكرة المعطوبة، متهربين من تحمل مسؤوليتنا أمام مصيرنا المشترك في دولة حديثة حُررت بالدماء. حقا، إننا غافلون عن واجبنا الحضاري.

"شعلة المايدة" رواية عن العهد العثماني، وبالتحديد عن تحرير وهران من الغزاة الأسبان سنة 1792، وأعدها قراءة مختلفة في الوقائع المدونة في مؤلفات كتّاب ينسبون فيها هذا النصر العظيم إلى حاكم واحد

 هل ترى أن الروائي الجزائري وقع ضحية قوالب جاهزة، بما في ذلك طبيعة المواضيع التي يتناولها سرديا؟

الروائي الجزائري، ومنذ البدايات الأولى، نشأ في أجواء بيئة مميزة بالنضال الوطني، فانشغل بمواجهة اللحظة الثورية التي كان وما زال يعشيها، ونجد هذا الهم النضالي في جل كتابات الروائيين، وقد أسهم نقاد يفتقدون للوعي العميق بتاريخ الجزائر الثقافي في تكريس نظرة أحادية مؤدلجة لفهم الأعمال الإبداعية، فوقع عدد من الروائيين تحت تأثيرهم. وهذا الرأي لا يعني أن كل الكتابات الإبداعية هي من هذا النوع، فخلال السنوات القليلة من عمر دولتنا الحديثة، ظهرت نصوص رائعة كان لها الصدى والتأثير لقدرتها على تجاوز كل المفاهيم والقوالب الجاهزة.

 مرة أخرى تذهب إلى التاريخ الجزائري البعيد نسبيا مثلما فعلت مع "شعلة المايدة" التي تناولت تحرير مدينة وهران من الغزاة الإسبان قبل قرون. ما حكايتك مع التاريخ؟

"شعلة المايدة" هي لبنة أخرى في المشروع السردي الذي شرعتُ فيه منذ أحداث أكتوبر 1988، والتي هزتني ودفعتني لمراجعة بعض قناعاتي، فاطلعت على جل الكتابات التي ألفها الجزائريون قبل الاحتلال الفرنسي، وعلى مؤلفات المؤرخين والمفكرين المعاصرين وقد اكتشفتُ فيها ما أفزعني، فالعديد من الوقائع التاريخية مغيبة في برامجنا الدراسية، ولم تُؤلف عنها كتب ويمكن أن أذكر منها "محارق الظهرة" التي ارتكبها المتوحشون بيجو وكافينياك وبيليسيه وسانت آرنو.

"شعلة المايدة" رواية عن العهد العثماني، وبالتحديد عن تحرير وهران من الغزاة الأسبان سنة 1792، وأعدها قراءة مختلفة في الوقائع المدونة في مؤلفات كتّاب ينسبون فيها هذا النصر العظيم إلى حاكم واحد وهو الباي محمد بن عثمان الكردي، ولكن الرواية تقول إن هذا النصر كان ثمرة جهود القبائل الجزائرية، وحماسة مشايخ الزوايا، وتضحيات علماء المدارس العلمية ومنها مدرسة مازونة.

الروائي له قدرة كبيرة على اصطياد التفاصيل ومنها روائح المكان وجراح الزمن، وبفضل خياله الخصب يخرق كل الحدود التي يقف عندها المؤرخ عاجزا

اهتمامي بالتاريخ صار الآن هوسا يحثني في كل لحظة على التنقيب في الذاكرة بحثا عن الوقائع المغيبة والجراح المنسية، على أمل أن أقدم إضاءة جديدة لفهم حاضرنا، فالتاريخ الجزائري بحاجة إلى قراءات جديدة، ومعالجته بجدية هي الطابو الحقيقي كما أرى، لأننا بممارسة هذا الجهد سنمنح للأجيال فرصة مواجهة مصيرنا.

 ألا ترى أن تناول التاريخ في الرواية مغامرة حقيقية؟ أين يقف التاريخ وأين يبدأ الفن؟

فعلا الرواية التاريخية مغامرة محفوفة بكل المخاطر حتى بالنسبة للروائي الذي له باع في البحث والدراسات التاريخية. وأما الحدود التي تميز الروائي عن المؤرخ فهي كثيرة، ومنها أن المؤرخ خطابه مباشر ونفعي فقط، وهو لا يخرج عما هو مدون في مؤلفات لا تقدم للقارئ إلا الأحداث العامة دون الغوص في تفاصيل الحياة.

وربما بحكم المناهج العلمية أو الرؤية المؤدلجة، يهمل المؤرخون التفاصيل التي أراها هي التاريخ الفعلي التي يصنعه المواطنون، وبالأخص المهمشون. والروائي له قدرة كبيرة على اصطياد التفاصيل ومنها روائح المكان وجراح الزمن، وبفضل خياله الخصب يخرق كل الحدود التي يقف عندها المؤرخ عاجزا عن تقديم قراءة مختلفة لما هو سائد في الكتب.

 أنت محسوب على جيل السبعينيات الأدبي في الجزائر. ماذا بقي من تلك التجربة وما علاقتكم مع الأجيال التي جاءت بعد ذلك؟

تفتّق وعيي في السبعينيات وكانت الجزائر وقتذاك تطمح إلى صنع غد سعيد، وكنت من الحالمين بمستقبل كله إبداع، فحظيت بفرصة التعرف على الأدباء الذين أسهموا في إثراء تاريخنا الثقافي بنصوص إبداعية باللغة العربية وفي جنس أدبي كان مجهولا في تلك الفترة، ولكني لا أشعر الانتماء إلى الجيل السبعيني فقط، ولا يعجبني مثل هذا التصنيف، فأنا أفخر بانتمائي إلى المبدعين الذين أبهرتني نصوصهم. وعلاقتي مع الأجيال التي جاءت بعدنا هي علاقة محبة لا غير، فقد لا يكون المبدع من زماني هذا أو من جيلي أو حزبي، ولكنني أنحني له إذا أنتج نصا يثيرني ويمنحني اللذة ويشجن حياتي بالنفحات الصوفية.

نتحدث كثيرا عن عدد من الشخصيات الروائية، مثل دونكيشوت وغيره، مع أننا نجهل أو نخطئ في نطق أسماء مبدعيها، فالمجد في الأخيرة للكتابة التي تزرع المحبة والأمل

أنا أقرأ كل ما ينتجه الأدباء ومن كل الأجيال، وأشعر بسعادة حين أقرأ نصا مميزا، ثم يبقى من واجبي أن أبدي إعجابي، ولو لنفسي، بمؤلفه الذي التزم نفسه بالعزلة القاسية ليصنع الفرح وينشر محبة المعرفة.

 رغم تعدد الأسماء المتميزة في المتن الروائي الجزائري، فإنها تبقى غير معروفة في العموم إلا في إطار ضيّق لصالح أسماء محددة. هل المشكلة في الإعلام أم في الكاتب نفسه؟

مؤخرا قرأتُ روايات مميزة ولكنها لم تحظ بالاهتمام، ويرجع السبب في نظري إلى الجغرافيا، فجل الكتّاب من المدن الداخلية البعيدة عن العاصمة مركز كل وسائل الإعلام المؤثرة، وأيضا يرجع إلى ذهنية الشللية التي انتشرت حتى في الأوساط التي كنا نعتقد أنها بعيدة عن هذه الممارسات، ولكني أعتقد أن ثورة "فيسبوك" فتحت آفاقا جديدة أمام المبدعين الذين كسروا الحواجز التي وضعتها اللوبيات للهيمنة على الساحة الثقافية.

والكاتب الجيد، إذا كانت نصوصه جميلة، لا تهمه الجعجعة حول اسمه، فنحن قراء اليوم نتحدث كثيرا عن عدد من الشخصيات الروائية، مثل دونكيشوت وغيره، مع أننا نجهل أو نخطئ في نطق أسماء مبدعيها، فالمجد في الأخيرة للكتابة التي تزرع المحبة والأمل وتمنح اللذة وتنشر المعرفة.

المصدر : الجزيرة