حاوره/ الخير شوار-الجزائر

يتحدث الناقد الجزائري مخلوف عامر -في هذا الحوار الذي خصّ به الجزيرة نت- عن حقيقة ما يسمى "الدخول الأدبي" في الجزائر، وبعض إشكالات الرواية الجزائرية التي يرى خصوصيتها في قِصر تجربتها مقارنة بغيرها، وبعض المواضيع ذات الصلة بالأدب والكتابة السردية.

والدكتور مخلوف عامر أستاذ الأدب بجامعة سعيدة بالغرب الجزائري، وهو واحد من أبرز نقاد الأدب في الجزائر، وينتمي إلى جيل السبعينيات الذي أفرز عددا من الروائيين الذين أخذوا شهرة عربية ودولية، واختار هو دون غيره طريق النقد، وله في هذا المجال كثير من الإصدارات والمقالات التي واكبت تحولات المشهد الأدبي منذ سبعينيات القرن الماضي.

 في مثل هذا الوقت من كل سنة، يكثر الحديث الإعلامي الجزائري عن "الدخول الأدبي" لكنه لا يسفر في النهاية إلا عن إصدارات محدودة في الشعر والنقد والرواية.. هل حقا هناك دخول أدبي في الجزائر؟

لا أتصور أن هناك دخولا أدبيا بالمعنى الذي تعرفه بلدان متقدمة أو كما نطمح إليه؛ فالدخول لا يقتصر على الإصدارات بغض النظر عن طبيعتها ومدى ما تقدمه من إضافات من المفروض أن تكون نوعية، وإنما ينبغي أن يكون الدخول حصيلة أنشطة غنية على مدار السنة، وأنْ يصبح -في الوقت ذاته- انطلاقة لبرامج مدروسة لا تخضع للمناسبات ولا النزوات، وهذه -للأسف- ليست حالنا.

أما الإصدارات، فإنْ وُجدت أو كانت محدودة، فإنها غالبا تنام على رفوف المكتبات بحكم ضعف المقروئية، ولا بأس في قلتها إذا كانت تستحق فعلا أن تنتمي إلى الحقل الأدبي، فالعبرة ليست بالكم.

يخيل إلي أن معظم الكُتاب لا يقرؤون بعضهم، فما بالكم بالمواطن الذي لم ينشأ على حب المطالعة، لا في البيت ولا في المدرسة. وما أن يترك الطفل الرضاعة حتى يجد نفسه منغمسا في عالم الشاشات المتنوعة ووسائل التواصل المختلفة والمغريات التي لا حد لها. فقصة الكتاب يشكو منها الناشر في تجارته، كما يعجز القارئ عن اقتنائه، فضلا عن أن يجلس ساعات وساعات لقراءته.

 هذه السنة ومثل سنوات سابقة، نسمع عن إصدارات روائية لكتاب غير معروفين من قبل، لكن سرعان ما تختفي كثير من الأسماء بعد الإصدار الأول. فما السبب؟

سبق لي أن اطلعت على أعمال بقيت يتيمة لكنها متميزة وواعدة، فأما اختفاء أصحابها فلعله يعود إلى وضْع اجتماعي أو صحي نجهله، أو قد يتوهم المرء في البداية كسبا ماديا بواسطة الكتابة أو نيل جائزة لكنه يُصاب بخيْبة أمل فيغادر، ثم هناك هيمنة الأسماء المحتفى بها في الإعلام والبحوث الأكاديمية والتكريم وغياب المتابعة النقدية. كل ذلك من شأنه أن يؤدي إلى نوع من الإحباط لدى الكاتب المبتدئ؛ فالكتابة الأدبية -في مجملها- قناعة أكثر مما هي كسب مادي سريع.

غلاف كتاب مراجعات في الأدب الجزائري للدكتور مخلوف عامر (الجزيرة)

 على ذكر الرواية الجزائرية وأنت متابع للإصدارات الجديدة، كيف تقرأ هذا المتن في عمومه؟

من المؤسف جدا أن يُختزل الأدب في الرواية، وأن تصبح الرواية مطية للبحث عن شهرة مفقودة إلى درجة أن يتخلى الشاعر عن تجربته الشعرية أو القصصية بدعوى زائفة مفادها أن الرواية مجال أرحب للتعبير، وهو ما جعل النسبة الكبيرة من الإصدارات الجديدة لا ترقى إلى ما بلغته الكتابة الروائية في بلادنا، حتى أكاد أتوقع أن كثيرا من الكُتاب المبتدئين لا يقرؤون ولم يستثمروا الإنجازات السابقة.

في الإصدارات الجزائرية الجديدة كتابات تنم عن موهبة وتستند إلى خلفية ثقافية محترمة، لكني أخشى أنْ ينجرّ أصحابها وراء التسرع في النشر بدل أن يعمقوا معارفهم ويثروا مخزونهم بمطالعة روائع الأدب العربي والعالمي وبقراءة الفلسفة والتاريخ

وحين يلتقي باحث عن شهرة وناشر يبحث عن الربح السريع، فإنه يكفي أنْ يُكتب على صفحة الغلاف كلمة رواية، وهكذا عوض بنية متميزة نجد تخلخلا، وبدل الفكرة العميقة نجد ثرثرة لا حدود لها، وإذا العمل الذي بين أيدينا لا هو سردٌ ممتع ولا هو يخلو من الأخطاء المتعلقة بالمبادئ الأولية لقواعد اللغة.

في الإصدارات الجديدة كتابات تنم عن موهبة وتستند إلى خلفية ثقافية محترمة، لكني أخشى أنْ ينجرّ أصحابها وراء التسرع في النشر بدل أن يعمقوا معارفهم ويثروا مخزونهم بمطالعة روائع الأدب العربي والعالمي وبقراءة الفلسفة والتاريخ، إذ يُقال إنك قد تصادف فيلسوفا كبيرا من غير أن يكون أديبا، ولكن يستحيل أن تجد كاتبا كبيرا دون أن يكون فيلسوفا في آن.

 تداوم على كتابة مقالات نقدية كاملة للنشر في مواقع التواصل الاجتماعي.. كيف جاءت التجربة؟ وهل أصبح هذا الفضاء بديلا عن الصحافة الثقافية التي يبدو أنها تعاني مشكلات مزمنة؟

المقالات التي أنشرها في هذا الموقع لا أعدها نقدا بالمعنى الصحيح، بقدر ما أسعى من خلالها إلى التعريف بالإنتاج الأدبي الجزائري، ولعل في ذلك توجيها ما للقارئ. ومن مزايا مواقع التواصل الاجتماعي سرعة النشر وكذلك ردود الفعل. وما دام يتساوى مع الصحافة الثقافية في غياب المكافأة أو الحافز المادي، فمن المنطقي أنْ أجد فيه بغيتي.

 تعددت صفحات "الرواية الجزائرية" في الشبكات الرقمية، فكيف تقرأ النقاشات التي تطرح في هذه المنابر، وهل خدمت الرواية فعلا؟

أعتقد بأنها تجربة رائدة ومهمة، من حيث أنها تفسح المجال لتبادل الرأي وحرية التعبير التي طالما شكوْنا فُقْدانها. لكنها من جانب آخر تنساق وراء موسم الهجرة إلى الرواية وتغفل الشعر والفنون النثرية الأخرى، وقد تسيء إلى الرواية أكثر مما تخدمها؛ لأنها غالبا تنخدع بالجنس الأدبي على صفحة الغلاف، ناهيك عما يحكم بعض النقاشات من علاقات شخصية ومجاملات حتى يظن الذين لا يعرفون الساحة الأدبية أنه أصبح لدينا جيش كبير من الروائيين.

 كنت تمثل "الوجه النقدي" لجيل السبعينيات الأدبي، فماذا تبقى من ذلك الجيل في ميدان الرواية؟ ولماذا جاءت علاقته "ملتبسة" مع الأجيال التي جاءت بعده؟

أغلب الأسماء الجزائرية المحتفى بها اليوم هي من جيل السبعينيات، لأنها مارست نوعا من النقد الذاتي، وراجعت تجربتها السابقة بحيث لم يعد الخطاب الأيديولوجي السياسي هو الذي يحتل الصدارة في أعمالها

تجربة السبعينيات مضت زمنا، لكنها حاضرة أدبا. لا أُنكر أنها اتجهت توجها مضمونيا كان يتبنى شعار الالتزام، وإن كان كل أدب ملتزما من حيث إنه يحمل فكرة أو دلالة ما لأن ما يصنف على أنه أنجح الأعمال الأدبية ليس لخلوه من أية إيديولوجيا، بل لأنها الأقدر على إخفائها.

ولكن لا ينبغي أن نذكر أيضا أن فترة السبعينيات قد أسست لانطلاقة جديدة تسعى إلى أن تعيد للأدب أدبيته. فأما الأصوات التي تتحامل على هذه الفترة فهي تنظر إلى المسار الأدبي من زاوية القطيعة والتباهي بينما أراه أنا من زاوية التواصل.

ثم إن أغلب الأسماء المحتفى بها اليوم هي من جيل السبعينيات، لأنها مارست نوعا من النقد الذاتي، وراجعت تجربتها السابقة بحيث لم يعد الخطاب الأيديولوجي السياسي هو الذي يحتل الصدارة في أعمالها، بالإضافة إلى استفادتها والجيل اللاحق أيضا من منجزات المدارس النقدية المعاصرة، التي لم تكن قد تسربت إلينا من قبل.

 وكيف ترى خصوصية الرواية الجزائرية ضمن المتن الروائي العربي؟

خصوصية الرواية الجزائرية تعود إلى أنها تجربة قصيرة بالقياس إلى غيرها، ومع ذلك تمكّن بعض كُتابها من تجريب أرقى التقنيات. متعة السرد وخلخلة التسلسل الزمني واللغة الشعرية والتخييل، أي توصلوا إلى كتابة رواية جديدة، بالرغم من أنهم في كثير من الحالات أسسوا لأنفسهم بجهود عصامية بالنظر إلى تخلف المناهج الدراسية وفقر المكتبات، وغياب المجلات المتخصصة والصحافة الثقافية العاجزة.

تمكّن بعض الكتّاب الجزائريين من تجريب أرقى التقنيات، وتوصلوا إلى كتابة رواية جديدة رغم أنهم في كثير من الحالات أسسوا لأنفسهم بجهود عصامية بالنظر إلى تخلف المناهج الدراسية وفقر المكتبات

ثم إن مصدر الخصوصية الأهم هو الواقع الجزائري المتميز، حيث انتقلت الكتابة الروائية في بلادنا من استحضار الثورة والتاريخ الوطني على نحو تمجيدي إلى رؤية نقدية لهذا التاريخ، وما لبثت أن انتقلت إلى معانقة التراث العربي الإسلامي من منطلقات فكرية لا تقل قيمة عما هو سائد في الرواية العربية.

وزاد في تعميق هذه الخصوصية ما عاشته بلادنا في تسعينيات القرن الماضي، إذْ اتضحت الرؤيا لدى كثير من كُتابنا على نحو من النادر أن نجده في الرواية العربية.

ما نحن في أمسّ الحاجة إليه أمام الإنتاج الأدبي الذي هو في تزايد مطرد هو ممارسات نقدية لا تقف عند حدود البحث الأكاديمي وإحراز الشهادات، ولا تغرقنا في متاهات نظرية ومصطلحات مُنبتّة عن جذورها الفلسفية والمعرفية.

فإذا كنتُ حريصا على متابعة الأدب الجزائري بإمكاناتي المحدودة، فلأني أجد أدبنا قد قطع مسافة طويلة في ظرف قصير نسبيا، وينطبق هذا على الرواية كما على سائر الفنون الأدبية. وقد مضى زمنٌ لم نكن نعرف فيه إلا الأدب المشرقي وبعض الأسماء تحديدا، بينما نتوفر على إبداعات منسية تستحق أن تُوجه إليها البحوث وأن تلتفت إليها المناهج الدراسية. ولا فرق في الإبداع بين مشهور ومغمور، ولا بين كثرة الإنتاج وقلته.

المصدر : الجزيرة