محمد نجيب محمد علي-الخرطوم

يعود الأستاذ الدكتور عبد الله علي إبراهيم بكتابه عن الشاعر السوداني محمد عبد الرحمن شيبون
(1930-1961) إلى الساحة الثقافية، مازجا بين رؤية الناقد والمؤرخ لفترة تاريخية عاش الكاتب  تداعياتها وتأثيراتها الثقافية والسياسية.

ويطرح الكتاب الصادر عن دار مدارات للطباعة والنشر الشهر الماضي قضية انتحار الشاعر الشيوعي، وتأثير التفرغ الحزبي علي عقل وذهن المتفرغ، وكيف أن الصراع بين الأفندي والأفندي المضاد غير المتفرغ قد أصاب ساحة النشاط اليساري في تلك الحقب الباكرة من تاريخ الحياة السياسية والثقافية بكثير من الأسئلة حول تقاطعاتها الذاتية والحزبية.

وصف الشاعر صلاح أحمد إبراهيم جانباً من حياة ناشئة الحزب كما سماهم في رسالة للمؤلف في عام 1965، فقال "كنا من فرط الشغف الجديد نتطاير شرراً ككور الحداد. كنا لا نهدأ من النقاش كالزرازير في السحر، بالسين أو الشين

وقد وصف الشاعر صلاح أحمد إبراهيم جانبا من حياة ناشئة الحزب كما سماهم في رسالة للمؤلف في العام 1965، فقال "كنا من فرط الشغف الجديد نتطاير شررا ككور الحداد. كنا لا نهدأ من النقاش كالزرازير في السحر، بالسين أو الشين".

وتم التكتم على انتحار الشاعر الشاب شيبون من قبل حزبه وبقوة الفعل الاجتماعي الذي يكره سيرة المنتحر والمنتحرين. ويقول مؤلف الكتاب البروفيسور عبد الله علي إبراهيم للجزيرة نت "كان محركي لتجديد النظر في الكتابة عن شيبون كلمة ثأرية لصلاح أحمد إبراهيم رتبها لإدانة الشيوعيين ووجدتها ظالمة لأنها تصفية حساب وليست علما، وانتحار شيبون استدعى لقفص الاتهام الحزب الشيوعي وسائر ما اتفق لنا عن الحياة السياسية للمساءلة والنقد والإبرام" ويضيف "لست درويش حلقة للحزب الشيوعي لأقتصر على تبرئته.. يكفي أني هجرته".

جدل المثقف والسياسي
ويذهب الكاتب إلى أن مؤثرات سياسية عديدة ساهمت في انتحار شيبون، منها ما أحسه من حصار نفسي عزاه إلى إخراجه من مهمة التفرغ الحزبي عقب التحاقه بوظيفة مدرس بمدرسة الأمل في مدينة الحصاحيصا، وهو ما اعتبره الرجل إجحافا في حقه وتضحياته للحزب وكيف أن هذه التضحيات قوبلت بالجحود.

ويستدل البروفيسور إبراهيم على هذا القول بما كتبه شيبون حول تجربته وخروجه الذي أسف عليه، إذ يذكر شيبون الأسباب الاجتماعية التي قيدته بقيدها وأخرجته من مهمة الثوري إلى الأفندي (ومن بعيد جاء الأهل بدافع من حرصهم وأجبروني على أمور روضت نفسي على قبولها وكما ينحسر ماء النهر في فصل الجفاف تلاشت حماستي وتدثرت بحكمة الجيوش المنهزمة .. وبدأت أتراجع بانتظام. وتفضل ضابط مباحث فأجهز على البقية الباقية باسم القانون، لقد عدت إلى القواعد بسلام، قواعد المجتمع الراكد الذي يرتعش من التجربة وعدت أشتغل أفنديا ألتزم وأتقيد بثمن بخس دراهم معدودات).

البروفيسور عبد الله علي إبراهيم (الجزيرة)

ومن خلال سيرة شيبون تناول عبد الله علي إبراهيم سيرة جيل الخمسينيات اليساري في السودان، ومنها رفضه اتفاقية الحكم الذاتي في العام 1953 التي تسببت في فصل شيبون من كلية الخرطوم حيث ألقى خطابا باسم الحزب الشيوعي يرفض الاتفاقية، وهو ما جر على الحزب الكثير من الاتهامات حتى عاد لاحقا عن موقفه والتحق بالقوى السياسية التي انتظمت صفوفها من أجل الاستقلال.

أصدقاء السلاح
عالج عبد الله علي إبراهيم قضية انتحار شيبون من زاويتين متعاكستين، هما اتهام الشاعر الراحل صلاح أحمد إبراهيم لسكرتير الحزب الشيوعي الأسبق عبد الخالق محجوب بالضلوع في إجبار الشاعر على الانتحار بملاحقته له، مستدلا بمقطع من مقال لشيبون تحسر فيه على أصدقاء السلاح الذين رفعوا سلاحهم في وجهه حين اشتد ساعدهم، وأدار له آخرون الأكتاف الباردة التي تبينت له أنها لم تكن ساخنة في يوم من الأيام.

ويرى عبد الله أن ما قاله صلاح عن شيبون هي من صنف تراجم تتعلق بقوة بآخر ما قال الشاعر، ولم يكتب صلاح ترجمة وافية لشيبون بل ظل يوجه الاتهامات لعبد الخالق من خلال موقف اكتنفه حب مما يسمى بالحب القاسي، وهو حب تركز في واقعة خصومته للشيوعيين، وبدأ هذا الحب يشمل بالعدوى صديقه المرحوم شيبون. والزاوية الأخرى تتعلق بالشاعر وحياته مع أسرته وتعارضها مع الواجب الاجتماعي الذي تحسر على تكبيله من القيام بدوره الذي كان يراه حلما يراوده كثوري في مجتمع محافظ.

الأستاذ محمد خير حسن سيد أحمد (الجزيرة)
الفارس المعلق
تساءل أستاذ النقد في الجامعات السودانية الدكتور مصطفى الصاوي حول الكتاب هل هو سيرة غيرية لشيبون أم تدوين عن جيل الخمسينيات اليساري في السودان، وقال إن الكاتب مضى في ذات الإرث لدى كتّاب السير الغيرية والمذكرات في السودان بما يراه كليا وشموليا للتعبير عن أزمة فرد وتعميمها على جيل كامل، وأضاف أن البون شاسع جدا بين الاغتيال والموت الفاجع بالانتحار.

بينما يقول الروائي والقاص أحد أصدقاء شيبون الأستاذ محمد خير حسن سيد أحمد إن شيبون انتابته الشكوك عقب وصول وفد من الحزب الشيوعي إلى بيته في رفاعه والسؤال عنه في غيابه، وازدادت هذه الشكوك جراء عدم نشر مقالات أرسلها لصحيفة الرأي العام بعنوان (هذه ملاحقات يعوزها المبرر)، في إشارة لما رآه ملاحقة من الحزب الشيوعي له، وأضاف محمد خير أن هناك أشياء غير حقيقية تداخلت في الكتاب لكثرة مصادر المعلومات وتضاربها وهي لا تقدح فيه بقدر ما تحتاج تصويبا.

وعبد الله علي إبراهيم كاتب وأستاذ للتاريخ الأفريقي بجامعة ميسوري بالولايات المتحدة، وهو كاتب مسرحي وقاص له عدة كتب في الفكر السياسي والثقافة السودانية وتأثيرها في محيطيها العربي والأفريقي.

المصدر : الجزيرة