أنطوان جوكي-باريس

لا تختلف المنحوتات التي يعرضها حاليا "معهد العالم العربي" في باريس للفنان الجزائري الألماني رودولوف حمادي، عن تلك التي يعرضها له "متحف الصيد والطبيعة" في المدينة نفسها، وإن اختلف عنوانا المعرضين.

ففي جميع هذه الأعمال نستشف الأسلوب نفسه والمواد نفسها ورسالة "هووية" واحدة مفادها أن كل واحد منا اليوم هو حصيلة حوادث ومكونات متعددة تتداخل في ما بينها وتتوحد، مشكلة في نهاية الأمر كائنا عاطفيا وانفعاليا يحمل قصة لا نهاية لها.

في "معهد العالم العربي"، يقدم حمادي تحت عنوان "منحوتات مترحّلة" ابتكارات بأشكال غريبة كليا عن القوانين والأعراف التي تتحكم في الفن المعاصر.

بعيدا عن هاجس الحداثة، يقترح علينا من خلالها صورة لما هو عليه اليوم أي فنان قلق على بيئته، يعيش في مرسيليا، لكنه يخضع لتأثيرات من جميع الآفاق القريبة والبعيدة، وخصوصا من حضارات قديمة ومن الواقع الراهن.

أسلحة فنّية
وفي هذا السياق، ترمز هذه المنحوتات إليه، بطبيعتها المركبة من أشياء مختلفة، وإلى الإنسان عموما الذي يشكل في بداية مساره مجرد غصن بسيط لا يأخذ حجمه وأبعاده إلا حين تتراكم فيه التجارب واللقاءات التي سيعيشها فتشكل كُلًّا لا يكتشفه إلا تدريجيا، وأحيانا حين يحين الأوان فقط.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى المنحوتات المعروضة في "متحف الصيد والطبيعة" التي يطلق حمادي عليها عنوان "أسلحتي" وتجد ركيزتها في غصن شجرة لا يصلح عادة إلا لتغذية نار موقد في الشتاء.

إحدى أعمال الفنان الجزائري الألماني رودولوف حمادي

ولإنجاز جميع هذه الأعمال، يبدأ حمادي أولا بلمّ قطع وحجارة وأجزاء أشياء مرمية (قطعة مرجان أو عظمة ثور أو خرز من سبج أو غصن زان أو زيزفون أو قطعة جلد بقر..)، قبل أن ينضد ثمار ما جناه على الغصن المذكور، بعد صقله ونحته، مشيّدا بذلك "أسلحة" كما نصنع درعا يقِينا من أذى العالم.

وتسائلنا القطع المستخدمة في ترصيع المنحوتات وتشييدها حول مصدرها الأول، وأيضا حول الدور الجديد الذي تؤديه داخل سردية ملغزة يتعذر الإمساك بها ويقف خلفها بحث استحواذي ذو بُعد علاجي أكيد غايته إبعاد الألم.

وباجتماعها، تمنح هذه القطع المتفرقة والمصقولة جمالا ومواصفات للمنحوتات التي تحتضنها، وتحوّل الدافع الأول الذي يقف خلف جمعها وتنضيدها إلى دعوة لولوج عالم آخر، أو للانتباه إلى الرقة اللامتناهية التي تكمن تحت أقدامنا ولا نرى عادة فيها سوى نفايات لا قيمة لها.

الفنان رودولف حمادي يلفت الانتباه إلى أهمية الأشياء الصغيرة التي تشكل مجتمعة تحفة فنية

عالم مفقود
ونقرأ هذه القطع كشظايا لاوعي أو كرموز لعوالم مألوفة تحجرت أو سقطت في دائرة الإهمال، فنحاول أن نحزر ماضي كل منها وحكايتها، كما نحاول إدراك قدرها الجديد بعد تثبيتها، الواحدة في جوار الأخرى: هل تتحاور في ما بينها؟ هل تروي كل قطعة قصتها على الفنان الذي يبدو وكأنه يجدل آثار عوالم مدمرة ضمن إعادة تشكيل مثيرة تتحكم بها يداه الملهمتان؟

ولا يسعنا حين نتأمل هذه المنحوتات ألا نفكر أيضا بالتمائم والحروز والنذور، نظرا إلى طاقتها السحرية، أو بتماثيل شعوب بدائية مصنوعة لكسب عطف الآلهة، أو بـ"طواطم" تحاصر الشر وتروي صعوبة العيش بلا وقاية من الخدائع والأكاذيب المتفشية في مجتمعاتنا المشهدية الراهنة.

ثمة أيضا عنف كامن في هذه المنحوتات يزعج من يتأمل طويلا في تشكيلاتها العصابية نظرا إلى إثارتها داخلنا حنينا موجعا لعالم مفقود، أو إلى وضعها نصب أعيننا أشياء اعتقدنا أننا انتهينا منها أو وضعناها على مسافة بعيدة منا.

لكن مهما تكن المعاني والرموز والتأويلات الممكنة لهذه الأعمال، علينا أن لا نضيع في متاهتها ونفوّت علينا فرصة تلقي خطابها الجمالي بالدرجة الأولى.

المصدر : الجزيرة