"ينبغي أن يكون الوقت المخصص للمرافعات عادلا للجميع، ومن الضروري ألا تقبل الشهادة إلا من عند أشخاص لا يرتقي الشك إلى أخلاقهم"، و"على رجال القانون المحيطين بالملك ألا يقبلوا بالرشاوى، لا قبل المحاكمة ولا بعدها"، كما أنه "من غير الوارد قبول هدايا من لدن المشتكين".

ليست هذه اقتباسات مما تفتقت عنه أذهان فلاسفة التنوير في عصور النهضة الأوروبية في معرض سعيهم إلى الحد من سلطة الحكام، ولا هي مبادئ سلوكية مأخوذة عن إحدى المعاهدات الأممية من أجل ضمان محاكمة عادلة؛ بل تعود الملكية الفكرية لهذه الكتابات إلى الإمبراطور سونغاي أسكيا محمد (1493-1528) الملقب بـ"أسكيا الأكبر"، حاكم إمبراطورية سونغاي (القرن 15-القرن 16)، وهي واحدة من أكثر البقاع الإسلامية ازدهارا على مر التاريخ.

وتنظم في هذا الصدد منظمة سافاما المختصة في حفظ المخطوطات، إلى غاية 17 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، معرضا يحمل شعار "حديث الحكمة"، يعرض نحو مئة من المخطوطات المالية القديمة، منها ما سيعرض في دجيني وسيغو (جنوب)، ومنها ما سيعرض في تمبكتو (شمال) والعاصمة باماكو.  

الشيخ الكانيس سيسي يقرأ مخطوطات تاريخية تعود إلى القرن الثالث عشر في مركز أحمد بابا بتمبكتو (رويترز)

مجتمع ديمقراطي
ويقول منسق منظمة سافاما غير الحكومية، بازومانا تراوري، إن المخطوطات ظلت شاهدا حيا على تاريخ المنطقة وعلى ما كانت تجري عليه الأمور في المملكة الإسلامية المزدهرة، وهي تشير إلى وجود مؤسسات ديمقراطية متطورة تسير وفق ترتيبات منظمة منذ القرن الخامس عشر في مالي، وأيضا وفق مبادئ الإسلام العادلة.

ويتابع تراوري حديثه بالقول "نحن نرمي إلى التعامل بشكل أفضل مع الكتابات القديمة في المكتبات العمومية والخاصة بمالي.. مدينة غاو (شمال) تزخر بالمراجع القيمة".

هي إذن كنوز معرفية تفشي أسرارها لمن يرغب في الاطلاع على ما ترك السابقون من درر مكنونة، إذ يكتشف القارئ على سبيل المثال أن الحاج الشيخ عمر طال (1797-1864) -القائد الحربي الصوفي ومؤسس مملكة "توكولور" في القرن التاسع عشر- كان يعتبر أكثر القادة الأفارقة "دموية" في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، وقد كان إلى جانب ذلك وسيطا مميزا في نيجيريا حيث وضع حدا لصراع أهلي بين منطقة بورنو وسوكوتو.

وفضلا عن الحس "الدبلوماسي" لـ"طال" وإيجاده حلولا للصراعات القائمة حينذاك، تكشف المخطوطات عن ازدهار العلوم وعلم الفلك والعدالة وحقوق الإنسان حينها، ولا أدل على ذلك من أن الشيخ سيدي مختار الكنتي تحدث منذ القرن السابع عشر عن أصناف الرشى والحلول المناسبة للحيلولة دون انتشارها.

مخطوط ضمن مجموعة وثائق أنقذت من التلف في تمبكتو (أسوشيتد برس)

عاصمة ثقافية
وتضلع عصمان دانفوديو أيضا -وهو عالم من تمبكتو- في حقوق الإنسان وفصّل حقوق الأرامل والحوامل، بينما تعمقت كتابات حمد البكاي في بداية القرن التاسع عشر في التسامح الديني بشكل عام، وفي الإسلام بشكل أخص.

هذه التفاعلات الفكرية والفورة العقلانية لا يعتبرها الرئيس التنفيذي لمنظمة سافاما عبد القادر هايدارا "مفاجئة"، لا سيما أن مدينة تمبكتو اصطفاها الإمبراطور كانكو موسى لتكون العاصمة الثقافية لإمبراطورية مالي في ذلك الحين، بأن شيد في ربوعها جامعة إسلامية كبيرة منذ القرن الثالث عشر.

ولا غرابة في أن جامعات تمبكتو كانت تعد 25 ألف طالب علم عام 1596 ينقبون في كتابات أخذت من العلم بكل طرف.  

وقد أفادت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) من جانبها، بأن أربعمئة ألف وثيقة من هذه الوثائق جعلت من مالي أكبر خزان للمخطوطات القديمة في منطقة أفريقيا الغربية برمتها، وهي مخطوطات صنفت كتراث عالمي للإنسانية رغم تعرض بعضها للتدمير والنهب والاتجار على يد تنظيمات مسلحة.

غير أن شجاعة بعض الخواص المالكين لهذه الكنوز المعرفية، مكنت من تهريب نحو عشرين ألفا من هذه المخطوطات في أكياس الأرز إلى العاصمة باماكو، وفقا لأحمد بابا من مركز جمع وترميم وحفظ المخطوطات الذي يضم أكثر من مئة ألف منها، تحت مراقبة الحكومة المالية واليونسكو.

المصدر : وكالة الأناضول