توفيق عابد-عمّان


تحت شعار "هويتنا فلنحمها بفننا" أقامت مجموعة "أنامل" لإحياء آثار ما بين النهرين معرضها  المشترك الأول بعنوان "فن وحضارة" مساء أمس السبت في قاعة مجلس الأعمال العراقي غرب العاصمة الأردنية عمّان.

وشارك في المعرض -الذي ضمّ 43 لوحة تمثل حضارة وادي الرافدين في عصور ما قبل الميلاد- الفنانون لينا الناصري ونادية العزاوي وفريال العمري ومهند الداود ومي النعيمي ورؤوف العطار.

وتركز اللوحات -التي طغت عليها الألوان الهادئة والحارة- على الوضع الراهن، خاصة في مناطق الأهوار، وتربط بين الماضي والحاضر وما يدور في العراق، الذي على أثره تمت سرقة المتحف العراقي من خلال رموز مقتبسة من الآلهة القديمة، خاصة "أنانا" آلهة الحب والحرب السومرية.

وتمتاز كذلك بجماليات فنية رفيعة المستوى جاذبة للمتلقي ربما بسبب تنوعها وانتمائها لعدة مدارس فنية، أبرزها التفكيكية والواقعية والتعبيرية والرمزية في إبحارها في حضارة ما بين النهرين ورموزها وتأثيرها على حضارات المنطقة كمسلة حمورابي والألعاب القديمة وطقوس الزينة والكتابة السومرية وآلهة المياه والقصبة المعقوفة.

الناصري قالت إن لوحاتها تضمنت قصائد سومرية من كتاب "إنجيل سومر" (الجزيرة)

وتقول التشكيلية لينا الناصري للجزيرة نت إن لوحاتها تضمنت قصائد سومرية من كتاب "إنجيل سومر" للشاعر خزعل الماجدي، تبشر بأن العراق سينهض من جديد وما يجري طارئ، أو كما قالت الناصري "محتاجين حب بلاد الرافدين ومعاقبة المسيء".

وجاء في لوحة "لننشد معا":
آه أيتها العاصفة البغيضة
لقد دحرك شعب البلاد
والعواصف زمجرت وزرعت الألم في أرجاء البلاد
العواصف التي هدت المعابد والمدن والأسوار ونالت المقدسات

النعيمي تقول إنها استخدمت ألوانا تعطي بعدا وإحساسا بأن تراث العراق موجود رغم ما تم تدميره (الجزيرة)

بدورها، ترى التشكيلية مي النعيمي أنها استخدمت ألوانا للزهو بحضارة بلاد الرافدين تعطي بعدا وإحساسا بأن تراث العراق موجود رغم ما تم تدميره؛ فالسومرية -بصفتها أول حضارة- أعطت الحضارات الأخرى كالفرعونية والأشورية والأكادية والبابلية والفينيقية.

وتؤكد التشكيلية نادية العزاوي عدم نسيان آثار العراق المعروضة في متحف اللوفر في باريس، وتقول إن حضارة وتراث وثقافة العراقيين محفوظة في بيوتهم، وما المعرض إلا تذكير بالحضارات والآثار التي دُمِّرت ونُهبت، كاشفة النقاب عن أن جهات سرقت القطع الأثرية وباعتها ودمرت قطعا مقلدة لخداع المهتمين والمتابعين، في إشارة ربما إلى تنظيم الدولة الإسلامية.

من جانبه، يرى الناقد التشكيلي مجيد السامرائي أنه لاحظ فنا تجريديا عالي المستوى واختزالا للصورة، واصفا المعرض بأنه متحف عوض ما فقد من المتحف العراقي دون أن يحدد الجهات التي سرقت مقتنيات الوطن العراقي، وقال في معرض تفاخره بالفن العراقي "لو بحثت عن جذور الفن الأوروبي لوجدته في الفنون العراقية".

البلداوي: المشاركون اشتركوا في حب الوطن وعبروا وفق رؤيتهم الخاصة (الجزيرة)

وحسب الاختصاصي في فن العمارة الدكتور محمد البلداوي فإن هناك مستويين في معرض "فن وحضارة": الأول احترافي ذو بعد تاريخي فلسفي، والثاني أقل ببساطة من الوصف، فأعمال التشكيلية لينا الناصري وظفت الموروث التراثي والأثري في أبيات شعرية وإخراج فني محترف، في حين كان أسلوب التشكيلي مهند الداود أقرب للواقعية الرمزية، وكذلك نادية العزاوي ذات الأسلوب الخاص في تناول الموضوع.

وقال إن المشاركين اشتركوا في حب الوطن، وعبروا وفق رؤيتهم الخاصة بلوحات فنية خاطبوا بها المتلقي باستخدام درجات لونية جاءت موفقة كألوان النهر في الأهوار، و"هناك لغة لونية عراقية تراثية تحاكي الفنان عندما يتجه لرسم العراق ومكوناته".

ياسين: اللوحات تعبر عن بناء حاضر برؤية تاريخية عراقية بحتة (الجزيرة)

ويرى المختص في الإعلام صباح ياسين أن اللوحات تعبر عن بناء حاضر برؤية تاريخية عراقية بحتة مستمدة من قدرة النهوض لدى الشعب العراقي، وقد لمست إحساس الفنانين المشاركين بأن وطنهم في محنة أو أزمة تنموية وإنسانية فأرادوا تقديم رسالة أن العراق ولاد للحضارات مثل طائر العنقاء، وهذا واضح في أعمال التشكيلية لينا الناصري.

وأضاف أن أغلب الأعمال انطباعية وفيها مدارس فنية جديدة كاستخدام النحاس ومكونات أخرى غير الأصباغ كالمعاجين وقطع من البرونز الذي يعطي انطباعا بقوة اللوحة وتواصلها مع الخارج، لافتا إلى أن المعرض يلخص تطور الفن العراقي ويستحضر التاريخ، ممّا يشجع الفنانين الشباب على تكرار تجارب الرواد، كجواد سليم ونور الراوي، حيث إن "بصمتهما موجودة في اللوحات".

وتخلل المعرض تكريم السفارة العراقية ورئيس مجلس الأعمال العراقي الدكتور سعد ناجي والفنانين المشاركين.

المصدر : الجزيرة