حاوره/أمير العمري

يبحث فيلم "بغداد خارج بغداد" للمخرج العراقي قاسم حول عن سحر بغداد ولكن خارج تلك المدينة التي شهدت عصورا ذهبية وشهدت ظهور الكثير من المواهب التي رسخت في الذاكرة الثقافية العربية.

وهو يستلهم أسطورة "غلغامش" نصف الإنسان ونصف الإله الذي يتعذب بعد أن يشهد تجربة الموت على إثر وفاة صديقه الحميم "أنكيدو" الذي يرفض أن يدفنه تشبثا بفكرة الأبدية فيترك جثته على الفراش تتعفن، ثم يذهب حزينا ليبحث عن سر الخلود.

وفي حانة إلهة الخمر السومرية "سيدوري" يعرب لها عن خشيته من الموت، فتقول إن الموت قدر على الإنسان، وتنصحه بنبذ الحزن والاستمتاع بالحياة.

وغلغامش أيضا هو الذي يربط بين مفاصل الفيلم وفصوله وشخصياته المختلفة، والفيلم نفسه مصمم في بناء شعري يدور حول ثنائية الحياة والموت، ولا يخضع لقصة واحدة ذات عقدة، ولا لحبكة تتصارع فيها الشخصيات، بل هو مجموعة من القصص التي تتداخل وتتقاطع دون أن تفقد وحدة الموضوع.

إنه عرض رصين محمل بالأفكار والمشاعر لمسار شخصيات بارزة في التاريخ الثقافي العراقي  في ما بعد الحرب العالمية الأولى، هذا العرض يشمل المأساة والملهاة، والرقص والغناء، والموسيقى والشعر، وفكرته الأساسية الموت، موت الإنسان وموت التاريخ!

وعن تجربته في صنع هذا الفيلم البديع كان للجزيرة نت هذا الحوار مع المخرج قاسم حول.

 ما مغزى اختيارك لعنوان الفيلم "بغداد خارج بغداد"؟
عندما عدت إلى بغداد بعد أكثر من أربعين عاما من الهجرة القسرية وجدتها والمدن العراقية خاوية.. خالية من كل ملامح الحيوات الاجتماعية، ليست فقط ملامح الحياة قد غابت تماما بل إن ملامح الناس قد اختفت، أصبح الناس أنماطا مختلفة يساورهم الخوف من شيء ما، من مجهول ما، شعرت بأن بغداد -وهي رمز العراق وعاصمة المدن- شعرت بأنها قد سافرت، خرجت من مكانها بناسها، بنخيلها، بشوارعها، بمضايفها، بأهوارها، بدجلة والفرات، وهاجرت خارج الوطن وبدت مقفرة خالية من الحياة.

 لماذا العودة إلى الماضي، إلى أوائل القرن العشرين ثم فترة الانتداب البريطاني على العراق؟ هل هناك نوع من النوستالجيا (الحنين إلى الوطن) يعكسه فيلمك إلى تلك الفترة من الماضي؟
نعم هي النوستالجيا بحد ذاتها والمتمثلة ليس فقط بالحنين إلى الماضي بل والخوف من عدم القدرة على استعادة الماضي والعودة إليه، وهو ما يصب في فكرة رحيل مدينة ومدن بل واختفائها بكل مكوناتها الإنسانية والحضارية والاجتماعية.

وخلال تصوير المشاهد التي كنت في غمارها وأعيش فيها لم أجد من تلك العوالم الجميلة شيئا وكنت خلال تنفيذ المشاهد بعد أن أرسم سماتها ينظر إلي الممثلون والفنيون وأنا أبكي، لقد نفذت المشاهد بحنان حقيقي، جلبت الماضي الجميل للحاضر الخالي من الملامح، نعم الفيلم هو النوستالجيا بذاتها وأنا متأكد من فقدانها أبديا، فصنعت الحيوات في مشاهد للفيلم فحسب، فحنيني للماضي مجرد حلم ومجرد فيلم.

 غلغامش حاضر في الفيلم كشخصية معاصرة تنتقل بحثا عن لغز الوجود، فماذا قصدت من وراء استخدامك المتكرر لغلغامش، وهل يعكس شيئا في الشخصية العراقية الحائرة المعذبة نفسها؟
شخصية غلغامش وأسطورة غلغامش نفسها تحمل مضامين الوجود، الحياة والموت، تمثل الخوف من النهاية الحتمية، غلغامش شخص جبار ومخيف فهو "لم يترك عذراء لحبيبها"، كان يفض بكارة الأنثى قبل اقترانها بزوجها وكان يعارك وحش الغاب ويبحث عن الأبطال ليختبر قوتهم ويصادقهم ومنهم أنكيدو صديق عمره الذي حارب معه وحش الغاب.

لكن غلغامش وبعد موت أنكيدو -وهو الجبار والمتغطرس- انتابه الخوف وتحجم جبروته ليتوسل النصيحة من صاحبة الحان وراح يبحث عن الخلود، وأنا حتى لا أبقى دراميا في الأسطورة استدعيت غلغامش ليصبح "بلاما"، وهو تعبير عراقي عن الشخص الذي يقوم بنقل الناس بين ضفتي دجلة بالبلم أو الزورق الذي كان على هيئة قفة وهي المستعملة منذ العهد السومري.

استدعيته للحاضر مع سيدوري صاحبة الحان، وهو تعبير عن روح شخصية غلغامش التي لا تزال تكمن في طبيعة الشخصية العراقية والذي يشكل الموت هاجسا قدريا للشخصية العراقية، ليس الموت كنهاية طبيعية للحياة، ولكن الموت المتمثل بذبول الحياة وموتها وانهيارها أمام عيون الناس في حياتهم، فالإنسان يعيش وهاجس الموت يعيش معه، وهنا يكمن الجانب الفلسفي في تحليل الشخصية العراقية.

الطوافة السومرية العائمة التي صممها قاسم حول خصيصا لاستخدامها في الفيلم (الجزيرة)

 الفكرة الأساسية في فيلمك تدور حول الموت، فهل هناك علاقة بين تقدم الفنان في العمر وتفكيره في الموت؟
نعم هذا صحيح، ولا أستطيع الهروب من الجواب الصحيح، الخوف من الموت يواجهني وأنا أتخطى الـ75، لذلك تجد في مشهد الحوار بالنهر بين غلغامش وسيدوري وحوارهما حول الموت وحكمة صاحبة ألحان "المعاصرة" سيدوري كامرأة شعبية من مدينة أور عاصمة سومر، كتبت اسمي على لسانها قائلة "رحل جاسم العبودي وجاء قاسم حول"، هو الجواب الصحيح على سؤالك.

صحيح هو شيء من الغرور والإعجاب الذاتي في النفس ولكن كانت رغبتي منطلقة من الإعجاب الذاتي لتثبيت اسمي كشخصية من عظماء التاريخ العراقي ومن شخوص الأسطورة السومرية غلغامش، وهو نوع من مواجهة الموت والخوف منه.

 أنت توحي بأن مسعودة المغنية اغتيلت في بغداد بينما المعروف أنها كانت قد عادت إلى بلدتها في الريف وقيل إنها تزوجت امرأة باعتبارها رجلا ثم قتلت مسمومة على يدي تلك المرأة
حقيقة موت مسعودة التي تحولت إلى "مسعود عمارتلي" لا توجد قصة دقيقة بصدد موتها، هناك حكاية تقول إن امرأة أعجبت بجمالها وصوتها ثم اكتشفت بعد الاقتران بها أنها امرأة مثلها وليست رجلا فانتقمت منها ووضعت لها السم وماتت.

كان يمكن لهذه المرأة أن تكشف شخصية مسعود من أول علاقة حب دون أن تذهب بعيدا في العلاقة، ولكن الواقع الاجتماعي الذي يمنعها من الغناء كامرأة وهي ذات صوت أخاذ جعلها تتخلى عن أنوثتها شكلا.

وأعود إلى الاستنتاج الشخصي أن السم الذي دبر لها ليس من قبل عشيقة لها بل دبر من قبل أبناء عشائرها وربما عبر تلك المرأة، لذلك عملت لقطة إلى غرامافون وأسطوانة تدور وحول الغرامافون مجموعة من الأشخاص المتشابهين بالزي الشعبي التقليدي وقد مسكوا يدا بيد دليلا على تضامنهم بالتخلص من مسعودة بطريقة لا تلحق العار بأبناء المنطقة والعشيرة.

 حدثني عن شخصية "جعفر لقلق زاده" التي أديتها في الفيلم؟
في تاريخ العراق الثقافي شخصية حقيقية موجودة وهي شخصية "جعفر لقلق زاده" ولكن لا أحد يعرف اسمه الحقيقي، فمنهم من قال إن اسمه كامل عبد المهدي، ومنهم من قال إن اسمه جعفر القزويني ومن قال سالم الإخباري.

بقي جعفر لقلق زاده على قيد الحياة طوال الحقبة الملكية وحاول أن يظهر على المسارح بعد ثورة الـ14 من تموز التي أطاحت بالملكية، كان يرغب بالتمثيل على المسارح الجادة ولكنه كان يرتجل المشاهد، وهو شخص حكيم وفيلسوف وكان في مشاهده الساخرة والتي تبدو تهريجية يندد بوجود الاستعمار البريطاني، لذلك جعلته يحضر المناسبات الوطنية والشعرية التي يؤديها معروف الرصافي ويقود الموقف منددا بالاستعمار البريطاني.

عندما ضربه أحد الأشخاص السكارى متهما إياه بالتهريج قال له "لو كنت مهرجا أنت ما تقدر تشوفني" يعني أنا لو كنت مهرجا لأصبحت حاكما أو رئيسا وتتعذر عليك مقابلتي. حتى في تلك اللحظة تدفقت حكمته الساخرة أن الحكام هم المهرجون ولست أنا المهرج.

قاسم حول المخرج يؤدي أيضا دور جعفر المهرج في فيلمه (الجزيرة)

 فيلمك يصور العرض السينمائي الأول في بغداد ودخول أول جهاز غرامافون، والفيلم أيضا يجمع بين الموسيقى والغناء والشعر والسينما، ما دلالات ذلك؟
نعم، فمن خلال دخول السينما ودخول الغرامافون العراق كشفت شخصيات الفيلم وسيكولوجيتهم وتاريخهم، أظن أنها كانت لعبة درامية محببة في مشاهد جميلة ليست بعيدة عن مسار الفيلم، فدخول السينما في العراق كشفت طبيعة شخصيات الزهاوي والرصافي وعبود الكرخي وإبراهيم أفندي وعلاقتهم بالناس والمسؤولين واندهاش غلغامش.

ومن خلال دخول الغرامافون كشفت شخصية "جقمقجي" وعلاقته بمسعودة "مسعود عمارتلي" وشيخ العشيرة والمضيف في الأهوار وقصة الحب بين مسعودة وابن الشيخ.. أظن أنه استثمار درامي جميل غير بعيد عن طبيعة شخصيات ومسار الأحداث في الفيلم، هذا هو هدفي من إدراج هذه المشاهد في الفيلم ضمن مسار التطور والغربة والخوف من الموت عبر التاريخ والمعاصرة.

 يتميز مستوى التمثيل في فيلمك مقارنة بمجمل الأفلام العراقية، فكيف كان اختيارك للممثلين وهل لجأت إلى إجراء "بروفات" قبل التصوير؟
لأنني ممثل فأنا أعتبر التمثيل مفردة هامة في لغة التعبير السينمائية، وأنا لا أميل إلى الممثل الجاهز، ولو صادفني ممثل جاهز فإني أعمل على تدريبه على الأداء المختلف، فالممثل العربي بشكل خاص (الجاهز) هو ممثل نمطي يكرر نفسه بملابس مختلفة، بعكس الممثل في الغرب الذي لا يكرر نفسه نمطيا بين شخصية وأخرى.

ثم إن التلفزيون العربي -والعراقي خاصة- ومع مخرجين "صوت كاميرا أكشن ستوب" يتصرفون كيفما يشاؤون وعلى عجالة، وهؤلاء لا أميل للتعامل معهم فأبحث وبحثت عن ممثلين غير مستهلكين وليست لهم تجارب مع مخرجين يوقعونهم بالنمطية، نعم أنا أولي التمثيل أهمية بالغة وأخضع الممثلين لتمارين وبروفات مستمرة كمن يعطي دروسا لممثلين هواة، أعلمهم المشي المختلف والأداء المختلف واللفظ المختلف للكلمات، وهم لا يضجرون بل يشعرون بالسعادة معي.

 ما أهم المشاكل التي واجهتها أثناء التصوير؟
لم يكن العمل سهلا، فالحلم شيء وأرض الواقع شيء آخر.. مشاكل الصوت كبيرة ليس على المستوى التقني بل على مستوى ظروف البلد، فضوضاء مولدات الكهرباء والمناسبات الدينية ومكبرات الصوت تخلق ضجة من سماء الوطن تصعب تسجيل الحوار والمؤثرات، وحصولنا على الكهرباء كان شيئا يشبه المعجزة.. فكيف تتحقق ظروف إنتاج سينمائية مع هكذا مشكلات تؤثر سلبا على كل تصورات مدير التصوير وأحلام المخرج ومساعديه والممثلين؟

العمل في تحقيق فيلم في بلد يعاني اضطرابات سياسية هو عملية ترتقي إلى مستوى البطولة، بهذه الظروف عملت فيلم "بغداد خارج بغداد" وهو أمام المشاهدين على الشاشة لهم أن يحكموا له أو عليه.. وفي عمان حيث العرض الأول كانوا معه، أما أنا فأكرر القول "آه يا روحي العظيمة لا تطمحي إلى الخلود ولكن استنفذي حدود الممكن".

المصدر : الجزيرة