نزار الفراوي-الرباط

في بداية موسم ثقافي جديد بالمغرب، يقف صناع الفرجة المسرحية -خصوصا الجادة منها- موقف حيرة ممزوج بشعور بالعجز إزاء تفاقم غربة التجارب المسرحية التي تعتمد قدرا من البحث في الأشكال الفنية والعمق في الاختيارات الجمالية.

صحيح أن المسرح الجاد لم يكن قط جماهيريا في المغرب، كما في غيره من البلدان العربية، حيث تقاليد الفرجة المسرحية فتية والقاعدة الجماهيرية المؤهلة لاستهلاك العرض الفني، من الطبقات الوسطى المتعلمة محدودة؛ لكن ما يثير القلق والإحباط لدى الكثيرين هو أن "الزبون" الطبيعي نفسه، الذي صنع إشعاع هذا المسرح في الستينيات والسبعينيات -أي الطالب والمثقف ومرتاد الأندية التربوية والمجتمع المدني- في الطريق إلى الانقراض.

فهل يكون قدر هذا المسرح الذي يحمل همَّ التحديث والإبداع في الأشكال والمضامين، أن ينحسر في إطار المهرجانات المغلقة التي يقتصر جمهورها على نخبة الممارسين والنقاد والباحثين؟

سؤال يطرحه الجميع لكن مداخل الإجابة عنه متعددة، فهي ترتبط بالتحولات التي طرأت على صيغ الفعل المسرحي واختياراته، وبالمحيط التربوي التعليمي الذي ينتج جمهور هذا المنتوج الفني عموما، وكذا بالتغيرات العميقة التي أحدثتها الوسائط التكنولوجيا على ذائقة الجيل الجديد وعلاقته بالفرجة كلها.

فنيش: بعض التجارب المسرحية استطاعت الحفاظ على جاذبيتها (الجزيرة)

جمهور السينما
يفضل المؤلف والباحث المسرحي عبد المجيد فنيش أن يضع سؤال الجمهور في سياقه التاريخي، حيث يذكّر بأن الجمهور المغربي -والعربي إجمالا- صنعته السينما أكثر مما صنعه المسرح، وأساسا السينما الرومانسية والكوميدية التي شكلت الشريحة الكبرى من الذائقة العامة. وبالتالي، فحتى حين يقصد قاعة العرض، فهو يأتي بهدف مشاهدة النجم المفضل في السينما والتلفزيون، والاستمتاع بقصة سهلة ببداية ونهاية تقليديتين.

لكن فنيش ينبه إلى أن بعض التجارب الجادة التي استطاعت الصمود والحفاظ على جاذبيتها الجماهيرية، اشتغلت على هذا الجانب، فاعتمدت في بطولة عروضها على نجوم رائجين إعلاميا، وبنت نصوصها على مفارقات كوميدية، وهي وصفة حققت قدرا من النجاح.

ولعل هذه النقطة تحيل إلى بعض المحطات التي حقق فيها المسرح المغربي المعادلة الصعبة بين الفرجة الفنية الراقية والحضور الجماهيري، ويتعلق الأمر بتجربة الرائد الطيب الصديقي الذي قدم شكلا فرجويا حديثا بمضامين وقضايا تفاعل معها الجمهور الواسع، على غرار مسرحياته الشهيرة "سيدي عبد الرحمن المجذوب" و"الحراز" و"مقامات بديع الزمان الهمذاني" وغيرها.

وينظر فنيش الى أفق أبعد، مركزا على التحول الهائل الذي طرأ على الشرط الاجتماعي لعلاقة المواطن المغربي بالمنتوج الفني، وخصوصا المسرحي، ملاحظا أن وسائط التواصل عبر الفضاء الافتراضي تصنع جمهورا جديدا بتقاليد فرجة جديدة، قد لا يحتاج يوما إلى ولوج قاعة مسرحية لمشاهدة أي إبداع بصري من أي نوع كان.

صورة من الداخل لقاعة مسرح محمد الخامس بالرباط (الجزيرة)

وكما تآلف الجمهور مع استهلاك القطعة الموسيقية والفيلم السينمائي على الحاسوب، فليس مستبعدا أن ينتهي العرض المسرحي إلى البحث عن أفق حياة على النت، وإن كان اللقاء الحي بين العرض والجمهور ركنا جوهريا في استكمال الفرجة المسرحية، فهل تطحن الوسائط الحديثة لذة هذا اللقاء الحي؟ إنه هو سؤال مطروح بحدة، حسب هذا الباحث والممارس.

ولعل هذا الوضع يفسر جزئيا تحول بعض الفرق الجادة من الجيل الجديد إلى العمل في إطار مختبرات وورشات مسرحية لا تراهن أصلا على قاعة ممتلئة بالجمهور، بل تعمد إلى صياغة عروض مهيأة للعرض في فضاءات صغيرة ومحددة الحضور.

أزمة ذائقة
ويقر الباحث المسرحي عبد اللطيف ندير بدور الجيل الجديد من الوسائط الفرجوية في صرف شرائح كثيرة -خصوصا من الناشئة- عن ولوج قاعات المسرح، وحتى انتشار تقليد الدعوات المجانية للعروض لم يعد يغريها بذلك.

لكنه يرى العطب أساسا في نظام تعليمي لا يولي الأهمية المطلوبة للتربية الفنية التي تنتج -كما في المدرسة الغربية- مواطنا مشبعا بقيم الجمال، شغوفا بالتعامل مع مختلف منتجات الفن من موسيقى وتشكيل ومسرح.

مجموعة من الممثلين المسرحيين في نهاية أحد العروض (الجزيرة)

ولذلك، فإن الباحث لا يوافق رأي الكثيرين في تحميل مسؤولية العزوف الجماهيري عن عروض أبي الفنون للممارسين أنفسهم بدعوى إغراقهم في التجريب وتكثيف الخطاب الرمزي البعيد عن إدراك حتى المتعلم الذي لا دربة له على تذوق العرض المسرحي.

إنه مشكل ذائقة فنية عامة ينضاف -في نظر مدير مجلة "الفنون المغربية"- إلى عوامل موضوعية ذات صلة بصيغ الممارسة المسرحية نفسها. فهو يقابل مرحلة الستينيات والسبعينيات، حيث انخرط المسرح في سياق نضالي أيديولوجي يحمل قضايا الناس والمجتمع والدولة، في مرحلة انطلقت مع التسعينيات، توارى خلالها هذا الهم الفني النضالي الذي جسدته تجارب ما يعرف في المغرب بـ"مسرح الهواة" لحساب مسرح احترافي، برهانات أخرى، يأخذ فيها الأداء الفني أحيانا طابعا مهنيا صرفا.

ولعل سؤال العلاقة مع الجمهور يهم المسرح الجاد بوجه خاص، لكنه ينطبق بدرجات متفاوتة على باقي ألوان الفن المسرحي. وقد كان مؤشرًا دالا أن أكثر من ثلثي الأنشطة التي احتضنها ركح المسرح الوطني محمد الخامس بالعاصمة الرباط خلال أحد المواسم الثقافية الأخيرة، كان عبارة عن فعاليات غير مسرحية (حفلات، مهرجانات موسيقية، فعاليات سياسية...).

وفي مقابل هذا الانحسار الواضح، تواصلُ تجارب قليلة صعود الخشبة عبر تحقيق المعادلة الصعبة بين عرض جاد وجاذبية جماهيرية. هل هي نماذج تفتح أفقا للتفاؤل، أم مجرد استثناءات تؤكد القاعدة المرة "الجمهور الذي فقده المسرح في المغرب.. ذهب ولن يعود"؟

المصدر : الجزيرة