ياسر باعامر-جدة

نظرة سريعة إلى زوايا توثيق المنطقة التاريخية بجدة أو جدة القديمة كما يطلق عليها السكان المحليين، سنجد أنها محصورة في دوائر توثيقية كلاسيكية لا تتجاوز كتب التراث العتيقة التي تتناول حقبة ذلك المكان، وهو ما جعلها متماهية مع اهتمامات النخب فقط.

وأبرز ما تعانيه البلدة القديمة في جدة حاليا يتمثل في عدم التفات الجيل الجديد من السعوديين لتفاصيل مكوناتها الإنسانية والتراثية، وهي البوابة الواسعة التي ولج منها مشروع توثيق ذاكرة سبعين عاما فنيا تحت اسم "داخل السور.. داخل القلب" والذي تقوم به مؤسسة "جدة وأيامنا الحلوة".

واستطاعت هذه المؤسسة المهتمة بتدوين حقبة "تاريخية جدة" أن تعيد مشهدها إلى الواجهة من خلال مشروعها الفني التشكيلي، ويشير مديرها منصور الزامل إلى معلومة حيوية وهي اندثار 80% من البيوت القديمة لعوامل طبيعية وغير طبيعية.

إعادة الجوهر
وتقوم الرؤية الفنية التشكيلية للمشروع على أسس محددة تتمثل في إعادة التصوير الفني للحارات الأربع القديمة التي شكلت جدة القديمة التي كانت محاطة بالسور قبل هدمه عام 1947، وهو ما يعكف عليه تسعة فنانين تشكيليين من داخل وخارج السعودية.

وسألت الجزيرة نت الزامل عن فلسفة اسم المشروع، فأشار إلى معنى "الحب والانتماء للمكان"، معتبرا أن إيمان فريقه الفني سيعزز من نجاحه، ومكررا غير مرة عبارة أن "الأمر رسالة قبل أن يكون فنا".  

ويسعى المشروع إلى تصوير زوايا المنطقة بشكل دقيق من خلال 450 لوحة تشكيلية، وتم الانتهاء من 35 لوحة استطاعت أن تسرد بعضا من ملامح الذاكرة الجدّاوية الحجازية العتيقة.

لوحة تشكيلية عن طبيعة الحياة داخل البيوت في جدة

وتحاكي خارطة التوثيق الفني عددا من التجارب الأوروبية التراثية التي تحاول صياغة منظومة تراثها في عقول جيلها الحالي والأجيال القادمة على مستوى متواز.

والملفت في حديث الزامل أن المشروع يحمل بعدا "ثقافيا وثائقيا" أكثر منه فنا تشكيليا مجردا، وهو يرتبط بمحاولة إعادة هوية بعض الملامح الواردة في الروايات القديمة التي تطرقت للمنطقة من خلال منهجية التخيل الفني، على اعتبار أن أغلب الأفكار المتصورة عن تلك الحقبة في بطون الرواية والذاكرة وغير مفعلة فنيا.

هوية المكان
وحظيت جدة القديمة بارتباط مهم في بطون كتب الرحالة والمستكشفين الأوروبيين الذين زاروها من وقت لآخر، والتقطوا لها صورا مختلفة، وخاصة ما بين عامي 1920 و1930، فهذه أيضا لم تغب عن مشروع "داخل السور.. داخل القلب" في الاستفادة من إعادة تصوير بعض ما ذكروه في رحلاتهم الاستكشافية.

الزامل: التوثيق ينطلق من
حب المكان والانتماء إليه (الجزيرة نت)

"الأجيال اللاحقة" هي أكثر عبارة وردت على لسان الزامل، فالهم الذي يحمله الفريق التشكيلي يتمثل في ترسيخ هوية المكان في ذاكرتهم، ويشير بدلالة واضحة إلى أن المنطوق اللفظي المكتوب ربما لن يصل إليهم، ولذلك يحاولون توثيقة تشكيليا للديمومة والبقاء.

وسيشمل التوثيق التشكيلي خارطة توسعية كبيرة من مضامين جدة القديمة، مرتكزة على المضامين الخارجية التي ستتناول "الأزقة والبيوت ورواشينها الحجازية، والمساجد، والحارات". أما المضامين الداخلية فستتحدث عن رؤية شاملة لطبيعة الحياة في تلك الحقبة من "المبيت، وبيت الماء، والطبخ والمجالس، والألعاب، والملبس التراثي المكون من الغبانة والعمة الحجازية"، وغيرها من التفاصيل الأخرى.

وبحسب القائمين على المشروع، فإنهم يسيرون وفق منهجية دقيقة لا تخضع للعشوائية أو الفردية الفنية، بل تخضع للمرحلية، حيث يتم شرح جوهر الصورة المراد توثيقها تشكيليا للفنان من الزوايا المختلفة، ثم رسمها بعد ذلك بقلم الرصاص لرؤية تفاصيل الملامح، ثم رسم القاعدة الخاصة بها، لتختتم بمرحلة تعبئة الصورة بالألوان.

المصدر : الجزيرة