حسين نشوان-عمّان

باتت صناعة الأفلام تلقى أصداء واسعة في أوساط الشباب، وخصوصا مع تطور التكنولوجيا وسهولة استعمال الكاميرا، وتعدد القضايا التي تشغل الجيل الذي تعصف حوله الأحداث، لتشكل الكاميرا ملاذه التعبيري عن فضاء ما يبحث عنه من هامش للحرية.

ورغم حماسة الشباب في الأردن لهذه الصناعة، فإن غياب "التراكم" الفني والدعم المادي حالا دون تحقيق صناعة للسينما، ولكنه كرس عددا من الحالات الفردية التي حققت حضورا في المهرجانات العربية.

سينما الشباب
يُعرّف الناقد السينمائي الأردني ناجح حسن "سينما الشباب" بأنها تجارب لشباب وجدوا في كاميرات الفيديو الرقمية منصة لإطلاق قدراتهم في تصوير قصصهم وحكاياتهم، وبميزانيات بسيطة.

ويعزى انتشار مثل هذه التجارب إلى التطور التقني للكاميرات، وظهور مفهوم السينما المستقلة، والوعي بأهمية الصورة، ورغبة المشاركة في عدد من المهرجانات السينمائية.

ويصف الكاتب حسين دعسة مثل هذه التجارب بأنها "جادة"، وأن الأفلام التي خرجت من نطاق المحلية إلى المهرجانات والملتقيات العربية والعالمية، كسرت حواجز الخوف ومثلت محطة مهمة لبروز "سينما الشباب" التي تمثل "محاولة للبحث عن خطاب، ووسيلة للتعبير عن الذات بلغة العصر".

مشهد من فيلم "إعادة خلق" لمحمود المساد

لكن نقادا وفنانين يميزون بين انتشار "السينما المستقلة" في لبنان ومصر ودول عربية، وانتشار الفن السابع في الأردن، لافتين إلى أن التجارب الشبابية في عدد من البلدان جاءت نتيجة التمييز عن القطاع العام والرسمي.

أما في الأردن فالأمر يختلف لأن جيل الشباب السينمائي الأردني "بلا آباء"، وأكثر التحديات التي يواجهها السينمائيون الشباب هي "غياب الدعم".

ومع أن العاملين في هذا النوع من الإنتاج لا يتوقعون الربح، فإنهم يواصلون "المغامرة" للتعبير عن "أصوات جيلهم المحبط" بتحمل الكلف الباهظة، أو الاعتماد على المتطوعين.

وتقول المخرجة غادة سابا إن فيلمها "ما خِلص" لم يكلف دينارا واحدا، لأنه قام على جهود المتطوعين، وهذه "المبادرات الفردية هي التي شكلت الخطوط الأولى لوجه السينما الأردنية في الألفية الثالثة". أما المخرج محمد الحشكي فيقول إن فيلمه "فراشة" (15 دقيقة) أنجز بنحو ثلاثمئة دينار أردني (نحو خمسمئة دولار) دفعها المخرج من "جيبه"، في حين تبرع الممثلون بأجورهم.

التمويل الأجنبي
وفي ظل الكلف الكبيرة لصناعة الأفلام وغياب الدعم، لجأ البعض إلى "الدعم الخارجي" الأجنبي.

غير أن قبول التمويل الأجنبي عرَّضهم للنقد الشديد، وخصوصا من أوساط مثقفين رأوا أن قبول "التمويل" لا يبتعد عن مغازلة الغرب والاستجابة لأجندات غريبة عن المجتمع الأردني، وتمثل وقوعا في "نمطية" أفلام تقتصر على معالجة قضايا هامشية وفرعية، ومنها قضايا تتصل بجرائم الشرف والإثنيات والهوية والنسيج الاجتماعي والهجرات والمهاجرين والأقليات.

مشهد من فيلم "لما ضحكت موناليزا" لفادي حداد

ويرى الناقد عدنان مدانات أن هناك مجموعة من الأفلام "تركز على الجانب الفلكلوري في الحياة العربية، والتجرؤ على تابوهات الجنس والدين والسياسة".

ويوافقه الناقد ناجح حسن الذي يرى أن كثيرا من صناع الأفلام "يستسهلون الدعم والتمويل الأجنبي، ومن النادر أن نرى مخرجا شابا يمكن أن يصمد أمام متطلبات الدعم واشتراطاته".

وقالت المخرجة دارين سلاّم إن فيلمها "الببغاء" الممول من "جائزة روبرت بوش" الألمانية لم يخضع لشروط الممول، وكل ما في الأمر أنهم اشترطوا أن يكون صاحب العمل "مخرجا يمتلك رؤية، ويعرف عمله، ويقدم قصة إنسانية".

تحديات وإنجازات
ميزة سينما الشباب في الأردن أنها تطرح أسئلة مهمة، وتعاين قضايا مهمة بدون مكياج، منها البطالة وجيوب الفقر، والأطفال والعنف والتطرف والمهمشين، والحياة اليومية للناس والعلاقة مع الآخر.

ولكن السؤال الذي يبقى معلقا هو: هل تحققت هوية لسينما الشباب في الأردن؟ وهل تحققت جماليات المعالجة الفنية؟

مشهد من فيلم "ذيب" للمخرج ناجي أبو نوار

ويقول الناقد ناجح حسن "صحيح أن السينمائيين الشباب يتناولون قضايا مهمة جدا، ويمتلكون جرأة في الطرح الاجتماعي والسياسي، لكن غالبية الأفلام تفتقد إلى المخيلة التي تمنحها الحياة، وفي جزء منها تتأثر بنمط السينما العالمية (النموذج الهوليودي)".

ويضيف حسن "مع كل التحديات، فقد حقق سينمائيون شباب حضورا مهما في المهرجانات العربية والعالمية، منهم محمد الحشكي وناجي أبو نوار ويحيى العبد الله وأصيل منصور وفادي حداد وحازم البيطار ورفقي عساف ومحمود مساد وأمين مطالقة".

لكن مع كل تلك التجارب "الفردية" والمحاولات "الجادة" -يقول حسن- فإنه لا يمكن التأكيد حتى الآن إن كانت مثل هذه التجارب الشبابية تصب في خلق هوية للسينما، أو أنها استطاعت المراكمة لصناعة سينما أردنية. والأغلب أنها ظلت تمثل أصواتا تعبر عن رؤى شبابية لا تخلو من تمرد بصري يتسلح بتقنيات "الرقمية" ووسائل خطابها الذي يقوم على "إغواء" الصورة و"غنيمة التمويل".

المصدر : الجزيرة