أنطوان جوكي

منذ رواية "قَسَم البرابرة" (1999)، ما برح الكاتب الجزائري بوعلام صنصال يفضح في نصوصه جميع أنواع التطرف. وتندرج روايته الأخيرة "2084، نهاية العالم" ضمن هذا التوجه بتصويرها الحياة داخل ديكتاتورية دينية خرافية.

أحداث الرواية -التي نشرتها دار "غاليمار" الفرنسية (2015)- تدور في زمن غير محدد، نعرف فقط أنه يقع بعد العام 2084 الذي انتصرت فيه إمبراطورية "أبيستان" على جميع أعدائها وبسطت سيطرتها على العالم.

وبينما يدير هذه الإمبراطورية مرشد ديني غير مرئي، يخضع سكانها الممنوعون عن التجوّل خارج أحيائهم لمراقبة ثابتة على يد جهاز سياسي-أمني يتحكم بجميع مفاصل حياتهم ويملك القدرة على معرفة حتى ما يدور في خلدهم.

شلل فكري
وكما لو أن ذلك لا يكفي، فُرضت على الرعايا "لغة لا تحاور الذهن، بل تحلله وتحوّل ما تبقّى منه إلى مؤمنين في حالة شلل فكري كلي". أما الطرقات التي تربط مدن الإمبراطورية بعضها ببعض فلا يسلكها سوى حجّاج يختارهم النظام وفقا لطاعتهم و"ورعهم"، ويخطّ سلفا طريقهم إلى أماكن "مقدسة" يخلقها وفقا لحاجاته.

التسلية الوحيدة في الإمبراطورية التي تخيلها الروائي هي العقوبات التي تُنفذ في أماكن عامة مخصصة لها، وتشكّل لجمهورها الغفير لحظات اتحاد شديد بواسطة الدم المتدفق بغزارة والرعب المطهر الذي ينفجر كبركان

التسلية الوحيدة في هذه الإمبراطورية هي العقوبات التي تُنفذ في أماكن عامة مخصصة لها وتتراوح بين جلد ورجم وذبح وتقطيع أوصال، وتشكّل لجمهورها الغفير "لحظات اتحاد شديد بواسطة الدم المتدفق بغزارة والرعب المطهر الذي ينفجر كبركان".

بطل الرواية شاب في العقد الثالث من العمر يدعى أتي، نجده في مطلع الرواية يخضع للمعالجة في مصح للمسلولين يقع في مرتفعات جبل سين، قبل أن يقرر الرجوع إلى داره في عاصمة "أبيستان" إثر شفائه.

وفي رحلة العودة التي تقوده إلى عبور مناطق ومدن وقرى لا تحصى، تفصل بينها حدود غير مرئية لكن مغلقة بإحكام لمن لا يحمل تأشيرات المرور، ينكشف له الواقع العميق لحالة التكييف والاستلاب التي يخضع لها جميع سكان الإمبراطورية.

هذه الحالة تجعل من كل فرد "آلة محدودة وفخورة بمحدوديتها، شبح إنسان محتبسا في الطاعة والخنوع، يعيش من أجل لا شيء، بفعل واجب لا فائدة منه، وكائنا خسيسا قادرا على قتل البشرية جمعاء عند أول إشارة" من حاكميه.

هكذا يعي أتي تدريجيا بأن داخل كل أبيستاني "روحا غريبة وملتوية تفكّر بالحياة والخير والسلام والحقيقة والأخوّة والديمومة الرقيقة والمطمئنة باعتبارهم فضائل، لكنها لا تسعى خلفهم إلا من خلال الموت والتدمير والكذب والخديعة والتسلط والانحراف والعدوانية العنيفة والجائرة".

ولأن نتيجة هذا الوعي هو حتما الشك في الأسس والأفكار المبني نظام أبيستان عليها، والشك هو خطيئة عظمى تطارد أجهزة النظام مرتكبيها بوسائل وفعالية مرعبة، يحاول أتي الفرار من أبيستان، بعد أن وصل إلى مدينته وسعى عبثا إلى التأقلم مجددا فيها.

لكن ما إن يضع قراره موضوع التنفيذ، حتى يقع ضحية مؤامرة تكشف له من الداخل خبث السلطة الأبيستانية وفسادها وصراع أطرافها على الحكم.

روح أورويل
سواء بعنوانها أو بمقاربتها لموضوع استلاب الإرادة الفردية على يد سلطة سياسية مراقِبة وقامعة، تستحضر رواية صنصال فورا إلى أذهاننا رواية جورج أورويل الشهيرة "1984".

لا بد للقارئ من إهمال الإسقاطات السريعة لبعض الصحفيين على هذه الرواية من أجل قراءتها بموضوعية كاستعارة، وإدراك قيمتها التي تكمن خصوصا في تفكيكها، واحدة تلو الأخرى، الآليات التي يمكنها أن تقود إلى نظام شمولي ديني

وبخلاف ما يمكن أن نقرأه في الصحافة الفرنسية حولها، لم يستهدف صنصال فيها مباشرة التيارات الإسلامية في شرقنا وتنامي نفوذها في الغرب، بل استهدف خطر التطرف الديني عامة عبر سرده قصة حكم شمولي ديني تمكّن في مستقبل غير محدد من بسط سلطته على الأرض برمّتها على أنقاض الأديان السماوية.

صحيح أن بعض الأسماء والرموز وطريقة تنظيم السلطة في أبيستان وتصرفاتها تستحضر "الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام"، وربما أكثر الجمهورية الإسلامية في إيران، لكن ثمة رموزا وإشارات كثيرة أخرى تستدعي شموليات القرن العشرين.

وبالتالي، لا بد للقارئ من إهمال الإسقاطات السريعة لبعض الصحفيين على هذه الرواية من أجل قراءتها بموضوعية كاستعارة، وإدراك قيمتها التي تكمن خصوصا في تفكيكها، واحدة تلو الأخرى، الآليات التي يمكنها أن تقود إلى نظام شمولي ديني.

وتكمن قيمة الرواية أيضا في مساءلة صنصال بواسطتها عن مكانة الفرد داخل الجماعة، وكشفه سيرورة انزلاق أي مجتمع نحو الظلامية لدى إلغائه حرية خيار أفراده.

أما جاذبية الرواية فتعود إلى الطرافة والسخرية داخلها، رغم جدية موضوعها، وإلى الأسلوب الجميل الذي صقله الكاتب لها ويشكل أحد عوامل نجاحه في تصوير المناخ الشمولي بدقة مذهلة.

المصدر : الجزيرة