محمد نجيب محمد علي-الخرطوم

صدرت عن دار "رفيقي" للطباعة والنشر بجنوب السودان قبل أيام المجموعة القصصية الثانية للقاصة إستيلا قايتانو، التي تعد أحد أبرز الأصوات النسائية السودانية في الكتابة القصصية قبل الانفصال، وكانت قد أصدرت مجموعتها الأولي "زهور ذابلة" عام 2004 عن دار "عزة" بالخرطوم، لتعود بعد عشرة أعوام بالمجموعة الثانية "العودة".

وقدّم الأستاذ الكاتب والشاعر كمال الجزولي لهذه المجموعة القصصية، وذهب إلى أن إستيلا كرست مجموعتها الأولى "زهور ذابلة" لنماذجها الإبداعية المعلاة على صعيد أدب الحرب في سرديات القصة القصيرة تطبيقا على نموذج إرث الدم المسفوح طوال أربعين عاما في صراع الجنوب والشمال.

وفي مجموعتها "العودة" -والكلام للجزولي- تنتقل لعرض نماذج إبداعية أخرى تطبيقا جديدا على إرث ذلك الصراع، ولكن هذه المرة في مآلات ما بعد انفصال/استقلال الجنوب، وعلو قصف مدافع القضية الاجتماعية في هذه الدولة الجديدة. وتحتوي المجموعة على ثمانية نصوص: عبق مهنة، وأمي أنا خائفة، ونصف جثة كاملة، وبحيرة بحجم ثمرة الباباي، والعودة، والهروب من الراتب وكوستي.

الجزيرة نت سألت الكاتبة إستيلا قايتانو عن الفرق بين مجموعتها الأولى "زهور ذابلة" والثانية
"العودة" وماذا أرادت أن تقول؟ فقالت إستيلا "ما بين زهور ذابلة والعودة عشرة أعوام، زهور ذابلة كتبتها إستيلا الفتاة في السنة الثانية الجامعية، التي كانت تتعرف على الكتب والكتّاب في أوقات الحرب الأهلية السودانية التي لفظت النازحين إلى أطراف المدن، وكنت فتاة مليئة بالخيال والحكي عن بيئتي الأصلية.

أما "العودة" -تواصل إستيلا- "كتبتها بعد تعرضي لهزات كبيرة كانقسام الوطن/السودان، وقيام الحرب، واشتعال كل شيء فوق وتحت الحالمين، وصمدت واستطعت أن أكتب عن ذلك بكل ألم وصبر وأبشر بغد أفضل"، وتضيف "الوطن ليس مجرد حلم، ولكنه واقع، وقد يكون مريرا جدا، وهذا أمر يستحق التدوين والتوثيق".

حكي "الحبوبات"
وتشير اللغة السردية في هذه المجموعة إلى عمق الرؤية للماضي والحاضر والمستقبل بزاوية نظر مكتملة سرديا، وتعود بالحكي إلى زمن السرد العربي القديم على لسان "الحبوبة" أي الجدة:

"كان يا ما كان في قديم الزمان في عصر صمت الأبناء أن تنازعت امرأتان على طفل تدعي كل منهما نسبته إليها، احتار القاضي في أمرهما وفي إصرار كل واحدة على أن الطفل طفلها".

تستخدم قايتانو لغة الرمز والكشف في قراءة الواقع الماثل مع مقدرة لغوية فائقة وقدرة على الخوض في التجريب السردي على المستوى الأفقي والرأسي، وهي في ذلك تحاور وتداور الواقع وترسمه بريشة فنان ماهر ينظر إلى لوحته سرديا ويقول هانذا قلت ما أعيه عن واقعنا المعيش:

الروائي عيسى الحلو (الجزيرة)

"النسور تحوم في السماء كأنها سرب من الشوارب الطائرة، السماء بعيدة بعيدة -زرقاء مشمسة- وأنا مخنوقة بعبرات وممتلئة برعب يحلق في الفراغ، ولكن قلبي لا يخفق، ربما مت أو أتظاهر بالموت".

والساردة تواصل مع مجتمعها عبر سبر أغواره من خوف أو رعب أو حنين أو حلم مجهض، وهي في ذلك تنتمي إلى زمن الكتابة القصصية الفكرة، والتي نشأت في أزمنة سابقة وتواصلت مع أجيال جديدة، وهي لم تخرج من القالب القصصي القديم، ولكنها أضافت إليه رؤية فلسفية خاصة بها، مما يميزها عن بنات جيلها في السودان أو الجارة الجنوبية.

الهوية والحرب
يقول الروائي والناقد عيسى الحلو إن أهمية مجموعة "العودة" تنبع من أنها صادرة من كاتبة ذات موهبة كبيرة، وتعتبر كتاباتها إضافة حقيقية للأدب المعاصر المكتوب بالعربية، وذلك لأنها تكتب بوصفها مثقفة سودانية-جنوبية أفريقية-عربية. ويضيف الحلو في تعليقه للجزيرة نت أن إستيلا نشأت في السودان الشمالي وتشربت بمناخات ثقافية في تركيبها العربي الأفريقي مما يجعل هذه المجموعة نموذجا ثقافيا في القارة الأفريقية ذات الصلة بالثقافتين الآسيوية والعربية.

الناقد عامر محمد أحمد (الجزيرة)

بينما ذهب الناقد مجذوب عيدروس إلى أن قصص إستيلا تشكل جزءا من المشهد الثقافي السوداني في شماله وجنوبه، وأن العين لا تخطئ الثقافة التي اكتسبتها من حياتها في الشمال، وارتباطها الوجداني والعاطفي بالإنسان والمجتمع والثقافة والوعي العام.

ويضيف عيدروس للجزيرة نت أن إستيلا تشتغل سرديا على النزاعات والحروب اللامجدية التي فصمت العرى بين شطري الوطن على الأقل سياسيا، مشددا على اهتمام إستيلا بالأساطير والحكايات الشعبية مما يعطي لقصصها عمقا ثرياً.

بينما ذهب الناقد عامر محمد أحمد إلى أن العنوان "العودة" يكفي لإرسال رسائل إلى من يهمه الأمر، فالعودة ترتبط بالخلاص، والخلاص في المفهوم الشعبي الجنوبي والشمالي هو الحنين إلى نهضة مشتركة حالت بينها الحروب السياسية، وأضاف عامر أن نزوح أهل الجنوب إلى الشمال عند اندلاع  الحرب الأهلية في جنوب السودان عقب الانفصال "كان مفتاحا سحريا للوحدة أضعناه"، وأشار عامر إلى أن إستيلا بموهبتها الكبيرة لا تمارس الحنين سرديا بل تعيشه وعدا بالعودة إلى لمّ شمل الوطن جنوبا وشمالا يوما ما.

وفي شأن تمزق الهوية الذي تعيشه الكاتبة ينبغي الإشارة إلى أن إستيلا متزوجة من شمالي هو الأستاذ عادل عطية، ولها منه ابنان عمر وعاصم ويقيمان مع والدهما في السودان، بينما تقيم إستيلا في موطنها الجديد دولة جنوب السودان.

المصدر : الجزيرة