حاوره: الخيّر شوار-الجزائر

ينطلق الروائي عمارة لخوص -في هذا الحوار الذي خص به الجزيرة نت- من حملة العداء للمسلمين في أوروبا حاليا بعد حادثة شارلي إيبدو التي تتشابه وقائعها مع بعض أحداث روايته الجديدة، لنغوص معه أكثر في عالمه الروائي ونظرته لما يحدث الآن.

لخوص من مواليد الجزائر العاصمة عام 1970، وهو روائي جزائري وإيطالي يكتب باللغتين العربية والإيطالية. درس الفلسفة في جامعة الجزائر والأنثروبولوجيا في جامعة روما إلى غاية حصوله على الدكتوراه. وهو يقيم حاليا في نيويورك.

صدر له بالعربية "البق والقرصان" و"كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك" و"القاهرة الصغيرة". أما بالإيطالية فقد نشر "قرصان صغير جدا" (ترجمة فرانشيسكو لجّو) و"طلاق على الطريقة الإسلامية في حي ماركوني" و"فتنة الخنزير الإيطالي الصغير في حي سان سالفاريو" و"مزحة العذراء الصغيرة في شارع أورميا". وترجمت رواياته الى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية والهولندية واليابانية.

 كأن وقائع روايتك الجديدة "نزاع حول خنزير إيطالي في سان سالفاريو" تتجسد الآن في أوروبا بأشكال دراماتيكية مختلفة بعد حداثة "شارلي إيبدو"؟

القاسم المشترك بين روايتي ومأساة شارلي إيبدو هو الاستفزاز. يكفي عمل بسيط كرسم كاريكاتوري مهين للمسلمين أو وضع خنزير صغير في مسجد كما هو في الرواية حتى تقوم القيامة.

درجة النضج -سواء تعلق الأمر بفرد أو جماعة- يكمن في القدرة على الرد على الاستفزاز بحكمة وتعقل، وعلى صاحب الحق أن يكون ذكيا في رده وتصرفاته حتى لا يتحول من مظلوم إلى ظالم

لحسن الحظ أن أبطالي أكثر تحكما في الأعصاب، والمسألة انتهت من دون إراقة للدماء. إن درجة النضج -سواء تعلق الأمر بفرد أو جماعة- يكمن في القدرة على الرد على الاستفزاز بحكمة وتعقل. كان من عادة والدي رحمه الله التذكير بمثل أمازيغي مأثور: "إذا كان الصواب في صفك فاحتضنه". المغزى هو التعقل وعدم السقوط في فخ الاستفزاز، وعلى صاحب الحق أن يكون ذكيا في رده وتصرفاته حتى لا يتحول من مظلوم إلى ظالم.

 تبدو وفيا لموضوع ثقافة المهاجرين ومشكلات اندماجهم في أوروبا، وهي بالمناسبة موضوع دراساتك الأكاديمية في الأنثروبولوجيا، وقد أصبح موضوع الساعة في أوروبا. أين يكمن المشكل بالضبط، هل هو في المهاجرين وثقافاتهم، أم في المجتمع الأوروبي الذي يرفضهم وفق أحكام مسبقة؟

تعيش أوروبا اليوم احتقانا شديدا إذ تحولت قضية المهاجرين عموما والمسلمين خصوصا إلى ورقة انتخابية. إن الإرهاب، بوصفه أكثر الصدامات دموية، نتاج تراكم طويل من الإخفاق والفشل.

مثلا، فرنسا لم تنجح لحد الآن -رغم مرور نصف قرن- في بلورة موقف نقدي شجاع من تجربتها الاستعمارية الكارثية، علما بأن أكثر المهاجرين الوافدين هم من سكان المستعمرات السابقة، إضافة إلى فشل نموذج إدماج أبناء وأحفاد المهاجرين المولودين في فرنسا تحت مظلة الجمهورية وقيمها، خصوصا في الشق المتعلق بالمساواة.

من الجهة المقابلة، فقدت الجاليات المسلمة في فرنسا وأوروبا عامة بوصلتها وركزت على أمور ثانوية هامشية. وبدلا من الاستفادة من مناخات الحرية والديمقراطية المتاحة في الغرب عموما والعمل على إيجاد إسلام أوروبي، يسعى بعض المسلمين المهاجرين إلى استيراد وتقليد إسلام دولهم الأصلية الذي يحتاج إلى إصلاح عاجل. لقد تناولتُ هذه المواضيع بعمق في روايتي "القاهرة الصغيرة".

 ألا ترى أن المأساة أصبحت بلا نهاية؟

كثيرا ما قلت للأوروبيين والغربيين إن الإسلام يمثل تحديا إيجابيا وليس خطرا على ديمقراطيتكم. لا توجد ديمقراطية حقيقية بلا تحديات وامتحانات صعبة
إننا نعيش مرحلة مخاض عسيرة وحساسة. يجب إعادة النظر في منظومة الأجوبة التي تشكل مرجعيتنا الفكرية كمسلمين. الكثير من الأجوبة لم تعد مقنعة ونحتاج إلى طرح أسئلة جديدة جريئة في ظل التغيّرات المستجدة. يجب تكريس مبادئ جديدة مثل المساواة بين الجنسين وأولوية الفرد على الجماعة. وكثيرا ما قلت للأوروبيين والغربيين إن الإسلام يمثل تحديا إيجابيا وليس خطرا على ديمقراطيتكم. لا توجد ديمقراطية حقيقية بلا تحديات وامتحانات صعبة.

 كنت تكتب رواياتك باللغة العربية أولا ثم تعيد كتابتها من جديد باللغة الإيطالية. كيف توقفت عن الكتابة بالعربية؟ هل هو اليأس من القارئ والناقد العربيين؟

لم أتوقف عن الكتابة بالعربية يوما، كل ما في الأمر أنني أصدرت الروايتين الأخيرتين بالإيطالية وأرجأت النشر بالعربية. صراحة، لا أشعر بالإجحاف في العالم العربي، هناك اهتمام برواياتي سواء من طرف النقاد أو الإعلاميين أو القائمين على معارض الكتب أو الروائيين.

 بالمناسبة، كيف مرت رواياتك السابقة بالعربية مرور الكرام بينما طبعاتها الإيطالية رفعتك إلى النجومية؟ هل لأن المواضيع التي تشتغل عليها تهم القارئ الإيطالي والأوروبي دون العربي؟

لم أرهن الكتابة بالنجومية في حياتي. عثرت على السعادة في القراءة والكتابة في بداية سن المراهقة، ثم بدأت أحلم بأن أكون كاتبا متميزا، وبدأت مغامرتي الكبيرة مع اللغة الإيطالية التي تعلمتها وأتقنتها وأبدعت فيها. وبعد سنوات من العمل الشاق بدأت أجني بعض الثمار.

أنا أشتغل على أفكار إنسانية عالمية كعلاقة الأقلية بالأغلبية وعلاقة الفرد بالآخرين. ربما السؤال المحوري في رواياتي هو: كيف نعيش معا رغم اختلافاتنا الدينية واللغوية والثقافية؟

لا أعتقد أن رواياتي تقتصر على "تيمة" المهاجرين وإيطاليا فقط، والدليل هي ترجمتها إلى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والهولندية والألمانية واليابانية. وقد سألت ناشري الياباني مرة عن سبب ترجمة روايتي "كيف ترضع من الذئبة" و"القاهرة الصغيرة" من الإيطالية إلى اليابانية، فأجابني "إننا نعيش نفس الإشكالات التي طرحتها ولكن مع المهاجرين الكوريين".

أنا أشتغل على أفكار إنسانية عالمية كعلاقة الأقلية بالأغلبية وعلاقة الفرد بالآخرين. ربما السؤال المحوري في رواياتي هو كيف نعيش معا رغم اختلافاتنا الدينية واللغوية والثقافية؟ لقد سكنني هذا السؤال منذ ولادتي في كنف أسرة أمازيغية في الجزائر العاصمة، وأنا أومن بالهوية المفتوحة وأسعى إلى الاستفادة من جميع الثقافات.

 كنت تكتب للقارئ العربي بصيغة وعنوان وللقارئ الإيطالي بصيغة وعنوان آخر.. "كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك " و"القاهرة الصغيرة" تحولت إلى "صراع الحضارات حول مصعد في ساحة فيتوريو" و"طلاق على الطريقة الإسلامية في حي ماركوني" على التوالي. لو أعدت كتابة روايتك الجديدة بالعربية، فكيف سيكون عنوانها؟

حاليا أنا أشتغل على النص العربي للرواية التي صدرت ترجمتها بالفرنسية والإنجليزية مؤخرا. وسيكون عنوانها بالعربية "فتنة في سان سالفاريو"، وربما تصدر هذه السنة إن شاء الله.

كتابة الرواية بالنسبة لي فرصة للإبداع. عندما هاجرت إلى إيطاليا عام 1995 وعشقت اللغة الإيطالية وآدابها، بدأ حلم الكتابة باللغتين يراودني، فقررت أن أكون كاتبا مزدوج اللغة. أنا مقتنع بأن تجربتي الروائية فريدة من نوعها، فأنا لا أترجم وإنما أعيد إنتاج النص بشكل جديد. رواياتي هي كالتوائم، ولدت من رحم واحد ولكنها مختلفة من حيث البنية واللغة وبناء الشخصيات. وأسلوبي في الكتابة سواء بالعربية أو الإيطالية -حسب رأي الكثير من الدارسين- متميز لأنه ليس أسلوبا عربيا خالصا أو إيطاليا صرفا.

 أنت متعدد اللغات والثقافات. كيف تقرأ الرواية العربية الجديدة وأنت الآن خارج دائرتها مما يسمح لك بقراءتها بشكل مختلف؟

قال لي صديقي المترجم الإيطالي فرانشيسكو ليجّو -صاحب الترجمة الإيطالية الرائعة لرواية الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال"- ذات مرة إن مشكلة الرواية العربية هي في اعتمادها على البطل المثقف

أحاول قدر الاستطاعة مواكبة ما يُنشر. بعضها جيد وبعضها دون المستوى. يبدو لي أن ثمة نرجسية تضر بالرواية عندما يتقمص الروائي أبطاله ويجعلهم بيادق في يده. قال لي صديقي المترجم الإيطالي فرانشيسكو ليجّو (صاحب الترجمة الإيطالية الرائعة لرواية الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال") ذات مرة إن مشكلة الرواية العربية هي في اعتمادها على البطل المثقف. وهو محق. نحن بحاجة إلى توسيع دائرة الرواة لتشمل الناس البسطاء، والكتابة الروائية حرفة، شخصيا تعلمت من السينما الكثير، أنا لا أقصد تقنيات السيناريو فقط، وإنما أهمية العمل الجماعي والمونتاج واختيار الشخصيات والموضوع والمكان والتدقيق في الحوار.

 وماذا عن تجربتك الأميركية الجديدة. هل هي بداية مغامرة أخرى لتجربة أميركية في الثقافة والكتابة الروائية؟
نعم هي مغامرة بأتم معنى الكلمة، فقد بدأت التواصل المباشر مع الأدب الأميركي العظيم، وشرعت في قراءة همنغواي وريموند كارفر بالإنجليزية. سأستمر في الكتابة باللغتين العربية والإيطالية، وعندما يشتد عضدي سأضيف الإنجليزية.

المصدر : الجزيرة