أمير العمري*

"المواطن 4" (Citizen four) هو أحد الأفلام الوثائقية الطويلة الخمسة المرشحة لجائزة الأوسكار هذا العام، وهو يستمد أهميته من مضمونه، وما يكشف عنه بأسلوب هادئ بعيد عن الافتعال الدرامي أو الرغبة في تحقيق الإثارة.

الفيلم من إخراج الأميركية لاورا بويتراس (53 عاما) التي تتخذ من برلين مقرا للإقامة والعمل، وهي تبدأ فيلمها بكلمات على الشاشة تقول إنها تعرضت للاعتقال والاستجواب بعد أن أخرجت فيلما عن الدور الأميركي في العراق، وكان فيلمها التالي عن معتقل غوانتانامو، أما هذا الفيلم فهو الأخير ضمن ثلاثية تتناول "أميركا بعد 11 سبتمبر/أيلول".

يصور الفيلم قصة انشقاق إدوارد سنودن (31 عاما) خبير تقنية المعلومات في وكالة الأمن القومي الأميركي الذي قرر أن يحذّر من تنامي نفوذ وكالات المراقبة وجمع المعلومات في الولايات المتحدة، وأن يكشف للرأي العام الكثير من المعلومات والملفات السرية التي تفضح انتهاك وكالات الاستخبارات الأميركية للدستور الأميركي.

كما كشف سنودن الاعتداء المنظم على حرية الأفراد عن طريق انتهاك الخصوصية، واختراق وسائل الاتصال الحديثة، وكيف ضربت هذه الوكالات الاستخباراتية عرض الحائط أيضا بمبدأ احترام سيادة الدول -بما فيها الصديقة- وتنصتت على المسؤولين فيها على أعلى مستوى، كما حدث في حالة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وهو ما يتناوله الفيلم أيضا.

لاورا بويتراس مخرجة فيلم "المواطن4"
(الجزيرة)

رسائل مشفرة
بدأت قصة الفيلم بتلقي المخرجة عددا من الرسائل المشفرة عبر البريد الإلكتروني (هي تعيد تجسيد هذه الحقيقة بالصوت والصورة) من شخص يطلق على نفسه "المواطن 4"، سيتضح في ما بعد أنه إدوارد سنودن الذي يقول لها إن لديه معلومات مهمة يود كشفها للعالم.

كما يتصل سنودن بصديق له هو الصحفي الذي يقيم ويعمل في البرازيل غرين غرينوالد ليلتقي الاثنان به في أحد فنادق هونغ كونغ، حيث يقضيان معه ثمانية أيام، وينضم إليهما لبعض الوقت صحفي من صحيفة الغارديان البريطانية.

ويدور قسم كبير من الفيلم داخل غرفة سنودن بالفندق، في تصوير يراعي الزمن الحقيقي، وبتسلسل الأيام الثمانية، فالمخرجة تحرص على تسجيل كل شاردة وواردة وانفعال على وجه سنودن الذي لم يكن العالم قد عرف عنه شيئا بعد، أي دون تدخل من المونتاج.

إنها تراقبه بالكاميرا وهو يجلس فوق الفراش، يتردد، ينصت للأسئلة، يستريب، يختفي ذات مرة تحت بطانية لكي يتعامل مع بعض الملفات داخل جهاز الكومبيوتر المحمول الصغير الذي يحتوي الكثير من المعلومات السرية الخطيرة، لكنه يبقى دائما واثقا، هادئا، لا يبدو عليه أي خوف أو وجل أو رغبة في التراجع تحت أي تهديد، بل إنه يقول لمحاوريه بكل بساطة إنه لا يأبه لما يمكن أن يتعرض له، حتى لو أدى الأمر إلى اعتقاله.

إنها قصة شجاعة حقيقية، خاصة أن دوافع سنودن -كما نرى- ليست دوافع شخصية، فهو لا يسعى للشهرة ولا المال، رافضا أن يكون حتى "بطل القصة" في هذا الفيلم، بل يؤكد -كما يقول للمخرجة- أن المعلومات التي سيكشف عنها للعالم يجب أن تظل محور الاهتمام وليس شخصه.

وهو يلخص موقفه ببساطة حينما يقول إنه قرر أن يكشف الحقائق بعد أن أدرك أن هناك خللا خطيرا في التوازن الضروري بين دور وكالات الأمن وحقوق المواطن، فقد أصبحت تلك المؤسسات تهيمن على مصير الأفراد دون أن تكون لاختراقها خصوصية الملايين علاقة ما بمكافحة الإرهاب.

ويروي سنودن كيف أنه شخصيا أصبح بوسعه اختراق أي ملف خاص بأي شخص أو شركة أو مؤسسة في العالم بمنتهى البساطة، ومهما كانت الأنظمة المتبعة لمنع الاختراقات.

إدوارد سنودن كشف اعتداء الأجهزة الأمنية الأميركية على الخصوصية (الجزيرة)

سقوط الخصوصية
"لقد سقطت الخصوصية" -كما يقول أحد المحامين قرب نهاية الفيلم- ففي عالم الاتصالات الحديثة، أصبح كل شيء مباحا أو نهبا صريحا لمؤسسات القوة التي لم تعد تعرف حدودا.

تنطلق القصة الإخبارية الأولى للعالم عن سنودن وأسرار "المؤسسة الأمنية الأميركية" عبر صحيفة "الغارديان"، ثم تصبح الخبر الأول في كل قنوات العالم التليفزيونية.

ونشاهد في الفيلم كيف يتطلع سنودن من على فراشه في غرفته إلى شاشة التلفزيون التي تعرض القصة، ثم تستخدم المخرجة أيضا لقطات معبرة ومهمة ودامغة لاستجواب كيث ألكسندر رئيس وكالة الأمن القومي أمام الكونغرس في 2012، وهو ينفي مرات عديدة أن تكون وكالته قد اخترقت أي حسابات خاصة بالأفراد أو الشركات على شبكة الإنترنت، أو اختطفت رسائل بريد إلكتروني خاصة، أو أن تكون قد مارست أي نوع من اختراق الخصوصية تحت أي ظرف.

ونشاهد مشهدا كاملا من وقائع الدعوى القضائية التي نظرتها محكمة الاستئناف الأميركية في 2006، والتي رفعها مهندس تقنيات الكمبيوتر مارك كلاين بالنيابة عن عملاء شركة "آتي أند تي" ضد وكالة الأمن القومي يتهمها باختراق ملفات عملاء شركة الاتصالات على الإنترنت، وهي القضية التي يقول لنا الفيلم إنها لا تزال دون حسم حتى يومنا هذا.

الفيلم يصور بهدوء كيف تجري الاتصالات بين غرينوالد ومسؤول في مكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة في هونغ كونغ لترتيب مغادرة سنودن للفندق بعد أن أصبح وجوده هناك يعرضه للخطر مع انكشاف أمره

ويصور الفيلم بهدوء كيف تجري الاتصالات بين غرينوالد وبين مسؤول في مكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة في هونغ كونغ لترتيب مغادرة سنودن للفندق بعد أن أصبح وجوده هناك يعرضه للخطر مع انكشاف أمره، وتلقيه الكثير من المكالمات التليفونية الغامضة.

ونعرف بعد ذلك أن سنودن وصل إلى موسكو، لكن السلطات الأميركية كانت قد ألغت جواز سفره وأصبحت تطالب بالقبض عليه وترحيله ومحاكمته بموجب ثلاث تهم خطيرة منها تهمة الخيانة والتجسس.

ثم نرى جوليان أسانج مؤسس موقع "ويكيليكس" وهو يجري اتصالات من سفارة الإكوادور في لندن لترتيب نقل سنودن من موسكو إلى دولة أخرى يمكنها قبوله بعد أن رفض الروس السماح له بدخول البلاد، فظل عالقا في المطار لأكثر من ثمانين يوما، إلى أن أمر الرئيس بوتين بمنحه حق اللجوء.

وفي لقطات طويلة صامتة، نشاهد محطات المراقبة الأميركية ومواقع اختراق الكابلات البحرية لاتصالات الإنترنت في بريطانيا والبرازيل وألمانيا، كما نرى كيف اضطرت صحيفة الغارديان لتدمير أرشيفها الذي يحتوي كل ما زودها به سنودن بعد حصول الحكومة البريطانية على حكم قضائي يقضي بذلك.

وننتقل إلى رجل يجلس على مقعد متحرك يتقدم بمقعده نحو مدخل البرلمان الألماني في برلين، في مارس 2014، هو وليم بيني الرئيس السابق لقسم التقنيات في وكالة الأمن القومي الأميركي الذي استقال قبل سنوات احتجاجا على ممارسات الوكالة، وقد جاء لكي يقدم شهادته كخبير في هذا الموضوع أمام البرلمان الألماني فتتابعه الكاميرا والصحفيون ويحيط به المصورون، ثم نستمع إليه وهو يقدم تقريره.

وينتهي الفيلم في منزل سنودن في موسكو وهو يتناقش مع صديقه الصحفي غرينوالد الذي يزوره هناك لكي يطلعه على آخر التطورات، لكنه لا يستطيع أن يطلعه على ما لديه بالحديث المباشر، بل يخرج ورقة وقلما ويكتب له ما يفيد أن هناك مسؤولا رفيع المستوى من "داخل المؤسسة" انشق أيضا وسيكشف ما لديه، ثم ينتهي الفيلم على لقطة للورقة بعد أن مزقها غرينوالد إلى قطع صغيرة لإخفاء تلك المعلومة الخطيرة!
______________

* كاتب وناقد سينمائي

المصدر : الجزيرة