من مراسي السفن والحارات الشعبية والمقاهي الليلية، نقل نوفل الجنابي يوميات أهالي الحلة الساخرة إلى رفوف المكتبات فسرد نكتا وحكايات لامست المحظور لكنها عكست كرم المدينة وبساطتها وانسجام مكوناتها من مختلف الأعراق.

علاء حسن-بغداد

مؤلف كتاب "الحلة عاصمة السخرية العراقية المرّة وذكرى الساخرين" نوفل الجنابي، تعمد هتك أسرار مدينته مركز محافظة بابل وسط العراق، عبر تسليط الضوء على شخصيات كانت جزءا من ذاكرة أبنائها.

وبقدر ما أثار الاعتراض باستعراض تفاصيل أحداث تحيطها الخطوط الحمر لارتباطها برجال بعضهم فارق الحياة وما يزال حضوره مستمرا بوجود أبنائه وأحفاده، حقق الكتاب انتشارا واسعا على الرغم من تركيزه على بيئة محلية عاش فيها الكاتب لحين مغادرته المدينة مطلع شبابه نهاية عقد السبعينيات من القرن الماضي.

لم يلتزم الجنابي بالتسلسل التاريخي للأحداث، بل وظف تجربته في كتابة سيناريو الأفلام والنص المسرحي في تسليط الضوء على شخصية معينة يجعلها نقطة مركزية في المشهد ثم يتناول محيطها والعناصر الفاعلة فيها.

وفي بعض الأحيان يجعل شط الحلة ومقاهي المدينة ودكاكينها ونواديها الليلية مسرحا للأحداث لعرض شخصياته وتقريبها إلى القارئ ليستقبلها من زاوية كونها شخصية تطلق النكتة وتصنعها، في حين يتناول آخرين كانوا مصدرا للسخرية وبالذات المسؤولين ورجال الأمن، وخصص واحدا من فصول الكتاب الـ33 للمحافظ هاشم قدوري والمخبر "عزيز سري".

ما يلفت انتباه القارئ في الكتاب التنوع الاجتماعي بمدينة الحلة، فهي استقبلت نازحين من مختلف مناطق العراق، فسكنتها أسر قدمت من قضاء هيت غرب العراق وأخرى تركمانية وكردية جاءت من كركوك.
الكاتب وظف الكوميديا السوداء في تقديم عرض يجبر القراء على الاسترسال بالضحك، ولكن في الوقت نفسه تبرز حالة التعبير عن الأسف على الماضي وما كان يحمله من ارتباط بين الأهالي على الرغم من تباين انتماءاتهم المذهبية والقومية

تنوع واندماج
ورغم إطلاق تسمية أحياء الأكراد والتركمان والهيتاويين على مناطق سكنى هذه الأسر لتمييزهم عن أبناء المدينة، فإنها استطاعت الاندماج بالمجتمع "الحلاوي" وأصبحت جزءا منه.

ومن الدرس المسرحي، وظف الكاتب ما يعرف بالكوميديا السوداء في تقديم عرض يجبر القراء على الاسترسال في الضحك، ولكن في الوقت نفسه تبرز حالة التعبير عن الأسف على الماضي وما كان يحمله من ارتباط بين الأهالي على الرغم من تباين انتماءاتهم المذهبية والقومية وحتى السياسية، فمدينة الحلة سليلة بابل التاريخية القديمة لم تكن تعرف الفنادق، فهناك خانات مخصصة لمن كان يرافق القوافل البرية حاملة البضائع إلى مدن الجنوب.

وعلى شطها ترسو المراكب فيغادرها أصحابها لقضاء استراحة في مقاهيها، والمسافر القادم إلى المدينة يرحب به أكثر من شخص ويدعوه للمبيت ويساعده في إنجاز مهمته في اليوم التالي.

كتاب الحلة عاصمة السخرية، توثيق اعتمد الأسلوب القصصي المرّكز مع وصف قليل لغرض تقريب صورة "بطل الحدث" من المتلقي من دون إضافة أي رتوش وباعتراف الشخصية ذاتها.

شخصيات ساخرة
وخير مثال على ذلك الشاعر الملا محمد علي القصاب المعروف بأنه كاتب أغنيات المطرب الراحل سعدي الحلي، وكان شاغل الناس ومالئ الدنيا بنكاته وممارساته الحياتية.

لا تختلف المدن العراقية الأخرى عن الحلة باحتفاظها بشخصيات ساخرة، وعند إجراء المقارنة والمقاربة لدى القارئ يستطيع أن يتلمس خيوط تشابه الصور وأحيانا المواقف، ولاسيما أن الساخرين يشتركون بصفة الفقر ولطالما جعلوا الطرفة والنكتة وسيلة للتعبير عن استيائهم وسخطهم من نكد العيش، والعمل بمهن لا توفر لهم دخلا ثابتا وبالكاد يحصلون على رزقهم اليومي.

وتعرف منطقة الفرات الأوسط بأنها أنجبت أعدادا كبيرة من الشعراء الشعبيين ذوي الموهبة الكبيرة والذين يوصفون بأنهم "حسجة" (بالجيم الأعجمية) أي أنهم سريعو البديهة ويتمتعون ببعد نظر وتحمل أقوالهم أبعادا عميقة لا يفهمها إلا من كان هو الآخر يتمتع بتلك الصفات.

ولعل هذه البيئة هي واحدة من العوامل التي جعلت الحلة عاصمة للسخرية، وحفزت الكاتب نوفل الجنابي على الاقتراب من باب لم يطرقه أحد قبله، فقدم كوميديا سوداء تثير الضحك وسرعان ما يتحول إلى أسف على الماضي الجميل.

المصدر : الجزيرة