هيثم حسين

يندفع التشيكي يرجي كراتوخفيل (1940) في روايته "قداس على الخمسينيات" بشيء من الحنين إلى زمن حمل بذور التغيير ومهّد له، إذ يعود إلى مدينة برنو التشيكية الشهيرة ليرسم صورتها التي كانت عليها في الخمسينيات من القرن العشرين، مستعيدا تاريخها وتعاقب الاحتلال عليها، وراصدا التغيرات التي أدخلها عليها الألمان والروس من بعدهم.

يظهر يرجي في روايته -التي نشرتها وزارة الثقافة السورية بترجمة د. غياث الموصلي 2014- كيف أن كل احتلال جديد كان يغيّر أسماء الشوارع والأماكن تبعا لأسماء قادته، بحيث إن كل مسيطر على المدينة يعبث بتاريخها ويحاول تشويهها في مسعى منه لتطويعها وفرض هويته وصورته وفكره عليها، وكيف تزامن ذلك مع عدد من التصفيات بحق المعارضين والمختلفين، بالإضافة إلى الاعتقالات وتلفيق الاتهامات وغير ذلك من الممارسات الاستبدادية.

تشويه وقسوة
عنوان الرواية في اللغة الأصلية هو "الوعد"، ويرمز إلى الوعد الذي قطعه الراوي كاميل مودراتشك على نفسه بالانتقام لأخته.

الروائي يرى أن الخمسينيات كانت أكثر روحانية من الوقت الحاضر، ويقول بمعنى آخر، كي تتمكن من الحفاظ على نزاهتك عليك أن تتمسك بشيء داخلي، وفي هذا السياق فإن الخمسينيات جددت الأخلاقيات وعمّقت الضمير الأخلاقي

والراوي هو مهندس معماري متميز، اعتقلت المخابرات التابعة للروس أخته المناوئة للاحتلال الروسي وعذبتها، ثم قيل له إنها شنقت نفسها في الزنزانة. وكان مودراتشك أثناء فترة اعتقالها يحاول رشوة الضابط المشرف على التحقيق، وهو الملازم لاسكا، ووعده بتصميم فيلا فاخرة فريدة له، لكن الأمور تسير في اتجاه آخر سمته الثأر والانتقام.

يعتقد الكاتب أن الخمسينيات كانت أكثر روحانية من الوقت الحاضر، ويقول بمعنى آخر كي تتمكن من الحفاظ على نزاهتك عليك أن تتمسك بشيء داخلي، وفي هذا السياق فإن الخمسينيات جددت الأخلاقيات وعمّقت الضمير الأخلاقي عند فئة قليلة فحسب، كما كانت تسمى "ملح الوطن"، وحين تخف حدة الضغوط على الناس تبدأ الأفكار الحرة بالظهور تدريجيا وتصيب حتى أفضل المخلصين الذين كانوا في خدمة النظام.

ينتاب الراوي غضب شديد ويتفجر في داخله كره لا حدود له لأولئك الذين ساهموا أو أجبروا أخته إليشكا على الانتحار أو قتلوها بشكل مباشر، فيضرب بمعوله صورة شرطي على الحائط، لتنفتح كوة يتسلل من خلالها إلى رواق واسع تحت الأرض، ذلك أن مدينة برنو مشهورة بأروقتها الكثيرة التي كانت تستعمل عبر التاريخ ملاجئ ومخازن بالإضافة إلى أدور اقتصادية وأمنية أخرى.

لا يستطيع المعماري مودراتشك نسيان أخته البريئة، فيعد روحها بالانتقام لها ويسعى لتوسيع مخبأ سري تحت الأرض يكتشفه مصادفة، ليحوله إلى سجن للعصاة الذين يشوهون بلده، فيبدأ بالملازم لاسكا، يوقعه في فخه ويسجنه في المخبأ، ثم يضم إليه عددا آخر، ويبلغ تعداد سجنائه واحدا وعشرين سجينا، يبحث عن طريقة لتأديبهم وإظهار مدى صفاقة ما كانوا يمارسونه من تصرفات بحق غيرهم.

مشاهد من الذاكرة، حيث الارتهان لسلطة الأمر الواقع، والانقياد وراء فسادها، والرضوخ لإملاءاتها، وتأثير الفساد المستشري على بنية المجتمع نفسه، وحتى على العلاقات الأسرية، وكيف أن الشكوك بدأت بالتنامي بين الأزواج لدرجة أن بعضهم كان يكلف متحريا خاصا لمراقبة زوجته ورصد تحركاتها، ذلك أن فئة المسؤولين الجدد كانت على درجة خطيرة من العداء للآخرين.

نابوكوف في براغ
كان الروائي الروسي نابوكوف شخصية من شخصيات الرواية، يستعين به كراتوخفيل في فصول عدة فيأتي في سياق استحضار الذكريات، إذ إن والد المهندس يكون مترجم نابوكوف إلى التشيكية. يزورهم نابوكوف في بيتهم في برنو، ويمكث معهم أياما، ثم يهدي بطل الرواية مخطوطا لمجموعة قصصية غير منشورة، ويدخل في بعض الحوارات مع الطفل الذي يستقي بعد عقود العبر منها.

يقارب الكاتب العلاقة بين الأدب والحقيقة حين يسترسل بعضهم في السؤال عن ماهية الشخصيات أو الأحداث الروائية بنوع من الاستجواب والمحاكمة، والتساؤل إن كان بالإمكان سرقة الحقيقة من الأدب كما يسرق الأدب من الحقيقة

ويستعرض الكاتب بعض التفاصيل عن حياة نابوكوف وتحركاته وواقع أسرته والضغوط التي كانت تتعرض لها، ويظهر المطاردة التي كان يقاسي هولها في بلاده وفي ألمانيا، وتخفيه عن الأعين وتحركه بسرية كي لا يلفت الأنظار، وزيارته لأمه التي كانت انتقلت إلى براغ عام 1923 بعد أن قام أحد المعتدين في برلين بإطلاق النار على زوجها، والد نابوكوف.

يقارب الكاتب العلاقة بين الأدب والحقيقة حين يسترسل بعضهم في السؤال عن ماهية الشخصيات أو الأحداث الروائية بنوع من الاستجواب والمحاكمة، والعلاقة بين الصور الذهنية والواقع، والتساؤل إن كان بالإمكان سرقة الحقيقة من الأدب كما يسرق الأدب من الحقيقة، ناهيك عن الاعتقاد السائد لدى البعض باستسهال الكتابة والظن أنها ضرب من الهوايات التي يمكنهم -إذا أصروا- أن يقوموا بها بكل بساطة.

ويصارح الروائي قراءه بوجود ندوب سود في الذاكرة يصعب نسيانها، لذلك من الأفضل تعريضها لمجهر المكاشفة التاريخية، ويقر أن الحرب على الإرهاب هي شيء مختلف تماما عن سائر الحروب، حيث تشكل المعلوماتية هنا أهم سلاح، ولكن الأنظمة الشمولية هي على نفس درجة الشر كما هي الحروب، ولذا لا يمكننا أن نتفاجأ حين ينقلون إلينا شيئا إيجابيا.

وكأن المؤلف يريد التأكيد على أن الحروب ذات فائدة للتقدم التكنولوجي، ويجد مفارقة في أن المكسب من الدكتاتورية الشمولية في حد ذاته كبير، إذ يقول "في اللحظة التي خفّت فيها وطأة ضغوط النظام، بدأت تظهر في بلادنا بشكل عفوي إشارات المجتمع المدني، بدأ الفن بإنتاج روائع فاكهته، وارتقى الإنتاج الأدبي إلى أعلى المراتب التي لم يصل إليها في وقت لاحق. ولكنه مكسب دفع ثمنه بطريقة مريعة، وذلك مع تحفظه على كلمة مكسب".

يلفت يرجي الانتباه إلى الصراع المحتدم بين المدارس الأدبية والفكرية في سنوات الخمسينيات، وسعي السلطة السوفياتية لفرض قيودها على الأدباء عبر التركيز على ما كانت تصدرها وتسميها بالواقعية الاشتراكية وتهميش المدارس والرؤى الأخرى، وانتشار توصيف "الأدب المنحط"، في محاولة للنيل من الخصوم.

ويضع الكاتب نفسه كشخصية روائية على لسان راويه، إذ يتحدث عنه بصيغة الغائب ويستحضره شابا ثم شيخا، وكيف أن الزمن قد حفر آثاره عليه في عقد التسعينيات، ثم السعي للختام بنظرة تفاؤلية بالقول إنه أخرج أبطاله من المأزق الذي وضعهم فيه، وغيّر قليلا من أسمائهم ووزعهم على فصول سعيدة من رواياته الأخرى، ويأمل تذكر البهجة من الزمن والرواية.

المصدر : الجزيرة