أمير العمري*

منذ وعينا بالكتابة وعالم النقد السينمائي، ونحن نرى ونسمع ونقرأ ويمر علينا بين يوم وآخر من يخصصون وقتهم لنقد النقاد العرب، والتقليل من قيمة ما يكتبونه.

وبدلا من أن يركز هؤلاء جهودهم على تطوير مناهجهم ولغة كتاباتهم ويتوسعون في الاطلاع على أعمال السينما العالمية ويعودون للقراءة في شتى مجالات المعرفة، خصوصا التاريخ والفلسفة والأدب، يأتي هؤلاء ليعطونا دروسا في النقد، مع إبداء الازدراء للنقد القائم، بل الشطب عليه بالكامل، أو اعتبار ما يكتبه مجرد "مراجعات" سينمائية وليس نقدا.

وعادة ما تتم أيضا مقارنة الناقد بالنقد الغربي (خصوصا الفرنسي) الذي أصبح "كعبة" لدى البعض ممن يدورون في فلك تلك الثقافة الأخرى.

ينسى هؤلاء أو يتجاهلون عمدا أن هناك مستويات للنقد، وأن ما يمكن نشره في مقال من ألف كلمة مثلا في صحيفة ما، يختلف بالضرورة عن دراسة منهجية عميقة من عشرة آلاف كلمة مثلا، أو عن كتاب متخصص في موضوع واحد، فليس من الممكن أن يحتوي مقال من هذا النوع على ما يريدونه من "تنظير"، لكن الأهم أن يكون مستندا إلى منهج واضح في فهم وقراءة وتفكيك العمل وتحليل العلاقات بين الصور في داخله، من دون تقعر، وفي حدود المساحة التي يتحملها "القارئ المتوسط" الذي يتوجه إليه الناقد، بل يجب أن يكون توجهه الأساسي إليه.

كما أن مثل هذا المقال من الممكن أيضا أن تتحمله الصحيفة أو المطبوعة أو الموقع، خصوصا إذا لم يكن من النوع المتخصص في النقد السينمائي.

عباءة الغرب
يتصور البعض أن "النقد العلمي" الصحيح يجب أن يعتمد على السيميائيات أو علوم السميوطيقا، أي التحليل الذي يرتبط بنظريات ظهرت في عالم نقد النصوص واللسانيات، وتهتم بنظام الإشارات والعلامات الكامنة داخل النصوص الأدبية وبالعلاقات التي تربط بين المفاهيم والعلامات والأفكار.

هناك من يعتقدون أن ذكر اقتباسات -عادية تماما- من أقوال سينمائيين معروفين عالميا، يضفي على مقالاتهم أهمية خاصة رغم أن الناقد يمكنه أن يعبر عن المعنى ذاته دون أن يشير إلى اقتباسه من مُخرج معين
وهذه كلها يمكن أن يشملها المقال النقدي من دون أن يتباهى بالإشارة إلى أنه يعتمد على "السيميائيات" أو يردها إلى أساتذتها الغربيين الذين يغرم كثير من مثقفي العرب بذكر أسمائهم في ثنايا مقالاتهم حتى يضفوا عليها نوعا من الأهمية، أمثال فردينان دو سوسير ورولان بارت وكلود ليفي شتراوس وغيرهم.

كما أن هناك أيضا من يعتقدون أن ذكر اقتباسات -عادية تماما- من أقوال سينمائيين معروفين عالميا، يضفي على مقالاتهم أهمية خاصة رغم أن الناقد يمكنه أن يعبر عن المعنى ذاته دون أن يشير إلى اقتباسه من مُخرج معين، لكنها تلك الحالة من الدونية التي تسيطر على الكثير من الكتاب!

لا شك أن منهج البنيوية والتفكيكية الذي يرتبط بالأبحاث السيميائية التي تهتم أساسا باللغة وتدور في دائرة "فلسفة اللغة"، قد أضافت إلى علوم النقد الأدبي والسينمائي أيضا، لكن بعض الأساتذة العرب من القادمين إلى نقد السينما من أجناس أخرى يميلون إلى الاعتقاد بأن النقد السينمائي الوحيد الصحيح هو النقد الذي يقوم على السيميائية، وما عداه لا يعد نقدا بل مجرد انطباعات صحفية، وذلك لإضفاء العظمة على ما يقدمونه من دراسات، معظمها مكتوب بلغة لا يفهمها القارئ العربي بحكم أن معظمها ترجمات واقتباسات اجتهد الكاتب أو الباحث في نقلها عن لغات أجنبية لا يجيدها عادة ولم يدرسها في بلادها الأصلية لكي يدرك مغزى تلك المصطلحات والكلمات في إطار تطور ثقافتها ولغتها.

ويعتقد كثير من المغرمين بتلك النظريات أن الفيلم السينمائي مثله مثل الكتاب أو الرواية، أي مجرد نص يمكن تفسيره طبقا لعلوم اللسانيات، وهو نزوع متعسف لا يؤدي إلا إلى تضليل القارئ، بل إنك حينما تطبق المنهج البنيوي -مثلا- على فيلم بسيط من الأفلام التي يخرجها الشباب العرب هنا أو هناك، ستبدو كما لو كنت تُطبق بهيكل عملاق على صدر كائن هش ضعيف يهتم بالوصف أكثر من اهتمامه بالتفلسف والتأمل والإحالات المعقدة، كونه نابعا من بيئة ثقافية محدودة للغاية، وتكون النتيجة تدمير الكائن الهش وانهيار الهيكل العملاق!

ضرورة الانفتاح
من المهم أن ينفتح الناقد على كل المذاهب والاتجاهات النقدية ويستفيد منها، غير أن من الخطأ أن يُغلق نفسه على مذهب واحد يعتبره "مقدسا" فيصبح مثله مثل عبيد الأيديولوجيا الذين يرفضون الاستفادة من أي مذهب خارج نطاق أيديولوجيتهم التي يعتقدون أنها تقدم تفسيرا شاملا للعالم.

النقد السينمائي إذا وفرنا له مساحة للنشر في الصحف يصبح أكثر تأثيرا على القارئ المشاهد للأفلام من النقد الأكاديمي الذي يعتمد على النقل من المراجع الأجنبية

والمشكلة أن من يكتبون هذه الانتقادات يكتفون عادة بالتنظير والاكتفاء بنقد النقد، دون أن يتصدوا لنقد الأفلام نفسها، بينما الوظيفة الأساسية لأي ناقد سينمائي هي "نقد الفيلم".

وإذا كان من الممكن تطبيق أرقى النظريات النقدية على الأفلام الفلسفية التي تبتكر وتطور أساليب سينمائية مركبة مثل أفلام غودار أو دفيد لينش أو غريناواي، فليس من الممكن تطبيق المنهج السيميائي على كل ما هو شائع من أفلام تجارية بسيطة التركيب، وإلا فلماذا لا يكلف أحد من هؤلاء الناقدين نفسه تقديم تحليل سيميائي مثلا لفيلم لأفلام "تتح" و"سالم ابن أخته" و"الألماني" و"صنع في مصر".

إن النقد السينمائي إذا وفرنا له مساحة للنشر في الصحف يصبح أكثر تأثيرا على القارئ المشاهد للأفلام من النقد الأكاديمي الذي يعتمد على النقل من المراجع الأجنبية ويكتب عادة في استطرادات طويلة مليئة بالألفاظ الاستعراضية، بل يحول الفيلم أحيانا إلى مجرد معادلات وألفاظ جافة يستغلق فهمها على القارئ. فكيف سيفهم القارئ المتوسط كلمات مثل "التمفصلية" و"الإبستمولوجية" و"الظاهراتية" و"المتغيرات الدلالية" و"المدلول التجاوزي"؟

بكل أسف نقول إنه خارج الصحافة لا وجود للنقد السينمائي ولا تأثير له، فالدراسات والأبحاث التي تنتج لكي ينال أصحابها الدرجات العلمية تظل عادة حبيسة الأدراج، وإذا صدرت في كتب فهي لا تنتشر، بل تصدر في طبعات محدودة للغاية، كما أنها لا تصل إلى القارئ المتوسط الذي يُحجم عنها لتعقيدها واستغلاقها عليه سواء من ناحية المادة أو اللغة.

وحريٌّ بنا أن نطالب الصحافة بالاهتمام بتخصيص مساحات أكبر للنقد السينمائي وبإصدار المطبوعات والمواقع الإلكترونية المتخصصة في النقد السينمائي (وليس في نشر أخبار النجوم والفضائح) بدلا من أن نشطب على النقد الذي ينشر في الصحف والترويج لمنهج واحد ووحيد سيظل -للأسف- يُتداول داخل دائرة محدودة من المتخصصين دون أن يكون له تأثير حقيقي على تطور السينما والجمهور وصناع الأفلام، وهم -في النهاية- الهدف الأساسي للنقد.
_____________

* كاتب وناقد سينمائي

المصدر : الجزيرة