حاورها: هيثم حسين

سعيا منها إلى تشخيص بعض العلل الاجتماعية بعيون الطبيبة التي ساعدتها مهنتها كي تكون أكثر التصاقا بحياة الناس وأسرارهم، تؤكد الروائية السورية وطبيبة العيون هيفاء بيطار أن هناك انسجاما بين حياتها وكتابتها، وهي التي خصصت عددا من أعمالها للدفاع عن قضايا المرأة في العالم العربي.

وتصرح بيطار بأنه لا اعتراض لديها على تصنيفها كاتبة أنثوية، ولا تشعر بأي انزعاج من مصطلح الأدب النسوي، كما لا تشعر أنه مُبطن بدونية، وتؤكد أنه يهمها العمل وجودته ووفاءه لرسالته.

الجزيرة نت التقت الروائية هيفاء بيطار بمناسبة إصدارها روايتها الجديدة "امرأة في الخمسين" عن دار الساقي ببيروت، فكان الحوار التالي:

 تثيرين في "امرأة في الخمسين" مسألة في غاية الأهمية، وهي إخلاص المبدع والكاتب لما يكتب وجانب الاقتران بين القول والفعل. إلى أي حد يؤثر ذلك في حياة الكاتب وكتابته برأيك؟

منذ اللحظة التي قررت فيها أن أكون كاتبة اتخذت عهدا على نفسي ألا يكون لي ولاء إلا للحقيقة، وأن أكون متوحدة ومتجانسة مع أفكاري ومعتقداتي وقراءتي للعالم حولي، ولا أفصل على الإطلاق بين الكاتب ونصه، لأنه مهما كان موضوع الكتابة فالكاتب يُعبر عن رؤيته وهو صاحب رسالة ورؤية.

غلاف رواية هيفاء بيطار "امرأة في الخمسين"  (الجزيرة)

أفهم الكتابة على أنها شرف الكلمة وشجاعة البوح بالمسكوت عنه، وقد ساعدتني مهنتي طبيبة عيون في أن أكون أكثر التصاقا بأوجاع الناس وحياتهم وأسرارهم، وأحس دوما أنني أمارس الطب بروح كاتبة، فقد تحول معظم المرضى الذين عاينتهم إلى قصص، ولدي روايتان هما "نسر بجناح وحيد" و"هوى" -التي تحولت إلى فيلم سينمائي لم يُعرض بعد- هما من وحي عملي طبيبة. وأعيش حياتي كأنها حياتان متوازيتان، فكل ما يحدث حولي يدخل إلى روحي.. إلى ما أسميه معمل الكتابة ويخرج قصصا وروايات. وثمة انسجام تام بين حياتي وكتابتي، فلا صراع ولا منافسة بين ما أعيشه واقعيا وما أفكر به. وأظن أن الكاتب الحقيقي يكون منسجما مع نصه، أي لا يكتب شيئا ويمارس نقيضه، وهذه ظاهرة موجودة للأسف.

 تظل بطلتك الصحافية والناشطة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان وفية لذاتها، وتسعى لتعرية الرجل الذي شعرت أنه يهين المرأة ويتعامل معها بازدواجية فاضحة، أين تلتقين مع بطلتك وأين تفترقين عنها؟

أردت أن أطرح موضوعا مهما جدا برأيي، وهو النظرة الاجتماعية المجحفة للمرأة في عمر الخمسين، أو ما يسمى سن اليأس، إذ ينظر للنساء -بشكل عام- في هذا العمر كما لو أنهن كائنات لاجنسية، وكأنهن ذبلن ولم يعد لديهن من مهام في الحياة سوى حياكة الصوف للأحفاد والعناية بالأهل في أرذل العمر.

ألتقي مع بطلتي في نقاط كثيرة منها الرغبة في تعرية النظرة المجحفة للنساء الخمسينيات، وفضح ازدواجية الرجل ونظرته للنساء في عمر سن اليأس

أما النظرة الاجتماعية لرجل في الخمسين فكما لو أن مستقبلا ثانيا بانتظاره، إذ يمكنه أن يطلب للزواج امرأة تصغره بربع قرن ولا أحد يستنكر، أو يكون الاستنكار خفيفا كما لو أنه دعابة.

ثمة هوة واسعة بين مفهوم امرأة في الخمسين ورجل في الخمسين، وبطلة روايتي الخمسينية تعري جوهر رجل خمسيني هو ناقد ومثقف وحاصد جوائز ولديه كتابات كثيرة حول الإبداع النسائي، لكنه في قرارة نفسه يحتقر ويسخر من النساء الخمسينيات ويعتبرهن منتهيات الصلاحية.

هذه هي الازدواجية نلاحظها عند الكثير من الرجال للأسف خاصة المثقفين منهم. وأنا ألتقي مع بطلتي في نقاط كثيرة منها الرغبة في تعرية النظرة المجحفة للنساء الخمسينيات وفضح ازدواجية الرجل ونظرته للنساء في عمر سن اليأس. وعليّ أن أؤكد أنني لا أحب التعميم إذ ثمة رجال رائعون يدافعون عن حقوق المرأة أكثر مما تدافع هي عن حقوقها.

 تعالجين ثنائيات من قبيل الشقاء والسعادة، والحب والكره، والخير والشر، والبنوة والأمومة، وتبدو عوالم روايتك مزيجا منها، إلى أي حد ترسم هذه الثنائيات خريطة حياة المرء؟

الثنائيات التي تتحدث عنها تشكّل نسيج الحياة.. هكذا الحياة هي مزيج من الأمل والألم، ومن الفرح والحزن، ومن الموت والولادة، ولا يوجد إنسان لا يعيش كل هذه المشاعر، وأنا بصراحة لا أجد تناقضا في تلك المشاعر، فأحس الكره كما لو أنه حب بالمقلوب، فالذي تكرهه تفكر فيه باستمرار كالذي تحبه، وقد ينقلب الحب إلى كره أو العكس، الكراهية الحقيقية هي النسيان.

ماركيز قال "يبدأ الحب وكتابة الرواية في الخمسين". وأنا أحببت جدا هذا القول وأسقطته على المرأة أكثر من الرجل. فكم من نساء أبدعن وفاجأن من حولهن وقد تجاوزن الخمسين!

النساء الخمسينيات في روايتي مررن بظروف كثيرة ولّدت لديهن مشاعر وأحاسيس وأفكار، ولكل عمر مشاعره وأحاسيسه، فالحب في عمر العشرين يختلف عن الحب في عمر الخمسين، كذلك الخبرة والحكمة التي نتعلمها من الحياة مع الزمن. وكما قلت في الرواية، عمر الخمسين عند المرأة هو عمر الحكمة وعمر الحقيقة، حيث لا تعود المرأة مضطرة للتمثيل والمجاملة، فهي في الذروة التي إما أن تنحدر بعدها وتعيش بشكل تقليدي كما يرسمون لها راعية للأهل والأحفاد، وإما تدشن مرحلة جديدة في حياتها من ترميم الذات وتحقيق طموحات وأهداف لم تستطع تحقيقها من قبل بسبب الأعباء الكثيرة الملقاة على عاتقها.

وكما قال ماركيز العظيم "يبدأ الحب وكتابة الرواية في الخمسين". وأنا أحببت جدا هذا القول وأسقطته على المرأة أكثر من الرجل. فكم من نساء أبدعن وفاجأن من حولهن وقد تجاوزن الخمسين!

 تركزين في معظم أعمالك -وفي عملك الأخير بشكل أخص- على قضية المرأة، وكأنك تشهرين هوية الأدب النسوية في وجه الجميع، كيف تصفين اشتغالك في هذا الإطار؟

لا اعتراض لدي على الإطلاق أن أصنف كاتبة أنثوية، ولا أشعر بأي إزعاج من مصطلح الأدب النسوي، ولا أشعر أنه مُبطن بدونية.. يهمني العمل، هل هو إبداعي ويطرح أفكارا مهمة؟ هل هو ذو رسالة أم لا؟ في معظم أعمالي تبنيت قضية المرأة في بعدها الإنساني وعلاقتها بالمجتمع حولها، ولم أترك قضية نسائية إلا وحاولت أن أغوص في أعماقها وأحللها، وأكثر رواية تعبر عن قضية المرأة برأيي في أعمالي هي رواية "امرأة من هذا العصر"، وفيها أستعمل المرض (سرطان الثدي) كحيلة روائية كي أجعل بطلة الرواية تحكي عن الرجال الذين مروا في حياتها. هي رواية لامرأة تقرأ عالم الرجل، فالكاتب الرجل يستفيض في التحدث والتباهي بعلاقاته مع النساء، المرأة يحق لها أن تكسر هذا الصمت وأن تبوح. لا يمكننا معرفة الآخر إن لم يتكلم. وقد قلت ذات يوم: في الصمت تُدفن المرأة. وأنا رسالتي كسر صمت النساء لا لغاية استفزازية أو فضائحية، بل لغاية أن نعرف أكثر هذا الكائن الجميل والعظيم: المرأة.

 يحتل الاعتراف دورا مهما في روايتك.. فبطلاتك اللائي يشكلن جمعية الخمسين، ومنهن فابيولا وفتون ووفاء وريم والساردة، يتخففن من أوجاعهن ومآسيهن بالاعتراف ويبلغن درجة من النشوة الروحية بذلك، كيف تنظرين إلى سلطة الاعتراف والكتابة؟

هناك روايات عظيمة ورائعة لم تأخذ حقها بينما تجد من يطبل ويزمر ويكافئ بجوائز سخية أعمالا لا تستحق المكافأة. أصبح سوق الأدب مثل سوق المقاولات، هناك الناشر المقاول والكاتب المقاول

الاعتراف هو الكتابة.. التحلل من أوجاع الروح يكون بالبوح، أنا أؤمن بالبوح العميق فهو يحررنا من أوجاع القلب المثقل بالألم، خاصة الألم السوري، والبوح بين الأصدقاء هو نوع من حديث روح لروح وقلب لقلب وفكر لفكر، لم يعد من عزاء للسوريين سوى البوح، سوى تلك العلاقة الإنسانية حيث يوحدنا الألم المشترك والأمل المشترك أيضا.

وأنا في معظم أعمالي أعتمد على "المونولوغ" الداخلي، خاصة في روايتي "أفراح صغيرة، أفراح أخيرة"، وروايتي الأولى "يوميات مطلقة"، وهي سيرة ذاتية لمعاناتي مع المحاكم الروحية المسيحية التي حكمت علي بالهجر لمدة سبع سنوات حتى حصلت على الطلاق. الغوص في أعماق النفس البشرية هو فعل الكتابة كما أؤمن به.

 كيف ترين واقع الرواية العربية في ظل كثرة الإصدارات الروائية والتنافس على جائزتي "البوكر للرواية" و"كتارا"؟

للأسف أجد واقع الرواية العربية سيئا، وهناك فساد ثقافي فاقع، ثمة تركيز على أسماء معينة وترسيخها وتدليلها رغم أنها لا تستحق كل تلك الحفاوة، وثمة روايات وأعمال أدبية رائعة، هنالك تعتيم عليها وظلم فاضح لها، هناك روايات عظيمة ورائعة لم تأخذ حقها بينما تجد من يطبل ويزمر ويكافئ بجوائز سخية أعمالا لا تستحق المكافأة. أصبح سوق الأدب مثل سوق المقاولات، هناك الناشر المقاول والكاتب المقاول، والكل يلهث لاقتناص جوائز دسمة.

ويبدو أن العلاقات الشخصية تلعب دورا من تحت الطاولة لإلقاء الضوء على كاتب معين وطمس اسم كاتب آخر. هذا هو الفساد الثقافي الذي أتمنى أن نحاربه جميعا ككتّاب نؤمن بشرف الكلمة.

أظن أن الخطوة الأولى تكون بأن يكون رؤساء تحرير المنابر على مستوى عالٍ جدا من الثقافة والنزاهة والضمير الحي. للأسف صار وضع بعض الكتاب مثل برنامج "آراب أيدول" أو "كيف تربح المليون"، لهاث وتطويع للكتابة من أجل الجائزة الدسمة. لكني مؤمنة أنه في النهاية لا يصح إلا الصحيح ولا تبقى إلا الموهبة الأصيلة.

المصدر : الجزيرة