خليل مبروك-إسطنبول

بكلمات ترق لحال الضعاف وتقسو على نكبتهم، يواجه شعراء عرب جليد الصمت الذي كست به العاصفة "هدى" حياة آلاف المعذّبين من أبناء أمة أنهكها الضياع، فما باتت تعرف سوى بيوت الشّعر ملجأ لأجساد منهكة.

ويصف هؤلاء ثلج "هدى" الذي لم يجد آلاف السوريين والعراقيين وأبناء غزة منه ملجأ، بأنه "ناصع الألم"، قائلين إنه كشف عجز الأمة وضياعها، بل وكتب من جديد "شهادة وفاة عمر".

واستقطبت الحملة الشعرية الإلكترونية "ثلج ناصع الألم" التي نظمها بيت فلسطين للشعر عشرات الشعراء الذين جادوا بما تفتقت به قرائحهم في وصف أحوال النازحين واللاجئين العرب الذين يحتضنون الثلج على قمم الجبال التركية، ولا يجدون بيوتا تقيهم برد الشتاء في قطاع غزة الفلسطيني المحاصر.

وكانت منطقة بلاد الشام وأجزاء واسعة من تركيا قد تعرضت الأسبوع الماضي لمنخفض جوي عميق تساقطت فيه الثلوج بغزارة، وما زالت تغطي مساحات واسعة من المرتفعات الجبلية على حدود كل من سوريا والعراق مع تركيا.

سمير عطية: المشاركون عبّروا عن تضامنهم مع اللاجئين إبداعيا (الجزيرة)

استفزاز الشعور
ووفقا لمؤسسة بيت فلسطين للشعر، فإن هذه الحملة تهدف إلى تحريك الشعور التضامني في العالم العربي مع هؤلاء اللاجئين والنازحين الذين يمرون بأقسى أيام حياتهم في العراء ودون ساتر يقيهم برودة الأجواء.

وقال الأديب سمير عطية إن حملة "ثلج ناصع الألم" هي الثالثة من الحملات الشعرية التي أطلقها بيت فلسطين للشعر، موضحا أنها تسعى إلى تحفيز المواهب والشعراء للاصطفاف الإبداعي مع هموم شعبهم والتحديات التي تواجه قضاياهم.

ووصف رئيس المؤسسة الحملة بأنها "دعوة تحمل المفارقة بين سعادة البشر بتساقط الثلج كرمز للخير والرحمة والبركة والمعاني الشفافة والرسائل البيضاء للقلوب من جهة، وبين ما كشفه الثلج من سوءات تقصيرنا مع أبناء شعبنا وأمتنا النازحين واللاجئين فلسطينيين وسوريين وعراقيين من جهة أخرى".

وقال عطية للجزيرة نت إن الشعراء الذين شاركوا في الحملة عبّروا عن تضامنهم بشعورهم وأشعارهم مع كل من يعاني، دون تقزيم لهوية أو تجزئة للمعاناة بين جنسيات لأبناء عروبة واحدة.

وتشرف لجنة تحكيم مهنية على تقييم المشاركات الشعرية في الحملة لتصنيفها وتمييز الجيد منها عن غيره.

ويؤكد عطية أن الحملة اهتمت بتشجيع المبادرات والمشاركات والمحاولات الشعرية الجديدة بالقدر الذي اهتمت فيه بحضور الشعراء المجيدين بقصائدهم، مؤكدا أن الحملة عملت على التواصل مع أصحاب المشاركات الجديدة ونشر مقتطفات منها.

كما أوضح أن هدف هذه الفعالية يكمن في تطوير الإمكانات الإبداعية وتفعيل الاهتمام بالقضايا الإنسانية ثقافيا، بعد أن ابتعد الأدب الهادف عن مساحة الحراك الثقافي الفاعل.

أحد الأعمال المشاركة في الحملة (الجزيرة)

دثار الكلمات
ويعبر عدد من الشعراء المشاركين في الحملة عن قناعتهم بقدرة الأدب والشعر على استفزاز مشاعر التعاطف وتوجيهها للفعل المساند للنازحين، مؤكدين أن المأساة يمكن أن تصنع أدبا يؤثر في حياة الناس ويغير واقعهم.

ويؤكد الشاعر محمد خير موسى أن مشاركته في الحملة جاءت من قناعته بضرورة أن "تتحرك الكلمة"، بعدما "دُفن ضمير الإنسانية مع أول لاجئ مات من البرد".

وشهد الأسبوع الماضي وفاة بضعة نازحين تجمدوا في العراء بسبب تراكم الثلوج حول الخيام المنتشرة على حدود تركيا الجنوبية مع سوريا والعراق.

ويؤمن موسى -وهو المدير التنفيذي لهيئة علماء فلسطين بالخارج- بدور الكلمة وقدرتها على "تحريك الضمائر الخاملة وإيقاد الجمر تحت الرماد ليوقظ الضمير من سباته".

وأكد الشاعر الفلسطيني الذي تحدث للجزيرة نت إيمانه بقدرة الكلمة على كونها الرسول الذي يصل القلب والعقل دون استئذان، ويحلّق دون جواز سفر لينشر في العالم قصة إنسان يموت من البرد دون أن تحرك الإنسانية ساكنا لإنقاذه.

ويقول موسى إن الحملة فرصة لانتقال الشعراء من حالة الانفعال إلى الفعل ومن التحرك إلى التحريك ومن التأثر إلى التأثير، معتبرا أن الحملة محاولة لتوظيف الجهد الأدبي في بوتقة الجهود المتعددة لنصرة المظلومين.

يذكر أن عشرات الشعراء من مختلف الجنسيات العربية شاركوا في الحملة بنشر قصائدهم بتصاميم إلكترونية على موقع بيت فلسطين للشعر وعلى صفحته على فيسبوك وعبر خدمة "واتس أب"، في حين يجري العمل على إصدار كتاب إلكتروني وإقامة معرض شعري للتشجيع على "الإغاثة الثقافية".

المصدر : الجزيرة