حوار: أمير العمري-البندقية

أحدث عرض الفيلم الجديد للمخرج الإيراني محسن مخمالباف "الرئيس" في افتتاح قسم "آفاق" بمهرجان البندقية السينمائي أصداء جيدة، واستقبل استقبالا حسنا من جانب الجمهور والنقاد.

وحمل الفيلم رؤية ساخرة تميل قليلا إلى المبالغة في تجسيد الشخصيات في صورة نمطية كاريكاتورية، فهو يصور كيف تتم الإطاحة من خلال ثورة شعبية بدكتاتور في دولة غير محددة، فيهرب مع حفيده ويتنكر الاثنان في ملابس متسولي الشوارع. يحمل الدكتاتور السابق آلة الغيتار الموسيقية ويجوب البلاد، تطارده قوات الشرطة التي انقلبت عليه مع قوات جيشه، ويطّلع على الكثير من نتائج سياسته التي أدت إلى إفقار البلاد وتجويع شعبها، كما يشاهد ما أنزله بسجناء الرأي والفكر المخالف من عذاب وآلام وتشريد.

الدكتاتور مع حفيده قبل الإطاحة به (الجزيرة)

لكن الفيلم ينتقد أيضا السلطة الجديدة، أي الثوار الذين يميلون الآن إلى تصفية الحسابات بالعنف والقتل وسفك الدماء.

مخمالباف -الذي يعيش ويعمل في الخارج منذ نحو عشرين سنة- معروف بنزعته الثقافية الإنسانية، فهو لا يرى فرقا بين البشر في شتى أنحاء العالم، ويميل إلى الدعوة للمقاومة السلمية على طريقة غاندي ثم مانديلا.

وفي لقائنا به في مهرجان البندقية السينمائي كان هذا الحوار.

 كيف جاءت فكرة هذا الفيلم؟
كتبت سيناريو أوليا، ثم وقعت أحداث 2009 في إيران بعد الانتخابات الرئاسية، ثم جاءت الثورات التي وقعت في العالم العربي، في ليبيا ومصر وتونس مثلا، وشعرت بالاكتئاب الشديد مما يحدث في هذه البلاد، فهناك دكتاتوريات تقاوم التغيير، تماما كما يحدث في بلدي إيران.

ولكن المشكلة أنه بعد سقوط الدكتاتوريات رأيت أنها تعود من جديد في أشكال أخرى. من هنا بدأت أبحث في جوهر شخصية الدكتاتور، وما يمكن أن يحدث لو رفض التخلي عن الحكم. ثم بدأت أبحث أيضا في جانب الثورة، ما الذي يريدوه الثوار، وهل هم دائما على صواب، وهل سيطبقون نظاما عادلا؟

من هنا جاء سيناريو الفيلم الذي يحمل طابعا إنسانيا وليس أيديولوجيا، صحيح أنه يكشف الممارسات العنيفة للنظام الدكتاتوري، لكنه يظهر أيضا عنف الثوار ورغبتهم في الانتقام، وهو ما لا يخدم قضية التغيير العادل في رأيي، بل يخلق دكتاتورية جديدة، لذلك يجب العثور على حلول أخرى.

 صورتَ الدكتاتور في صورة تحمل نوعا من التعاطف أيضا، رغم أنك أوضحت ما ارتكبه من فظائع. فهل تشعر بالتعاطف مع دكتاتور أطيح به من السلطة؟

كلا.. ليس الأمر كذلك. لقد أردت فقط إضفاء الطابع الإنساني على الفيلم. إنه شخص شديد الحماقة، فالشعب يثور ضده، بينما هو يلهو مع حفيده داخل القصر غير عابئ، كما أننا نراه عاجزا عن السيطرة على أفراد أسرته وهم يتشاجرون معا. إنه نموذج إنساني، نحن لا نعرف من هو، لكنه مع تطور الأحداث وبعد أن يفقد السلطة ويهيم على وجهه شريدا مطاردا، يبدأ في تأمل مغبة أفعاله. ربما سيتعلم شيئا من التجربة، وربما سيتشبث أيضا بماضيه.

 لكننا لم نرَ كثيرا من الفظائع التي ارتكبها؟

الدكتاتور مع حفيده بعد التنكر والهرب (الجزيرة)

على العكس، لقد صورت السجناء الذين خرجوا عاجزين عن السير بسبب ما تعرضوا له من تعذيب، وصورت فظائع الشرطة والجيش ضد الناس، وكيف كان الدكتاتور يصفي خصومه ولا يرحم حتى أصدقاءه السابقين، وكيف انتحر أحد السجناء جراء إحساسه بالقهر. صحيح أننا نرى هذا بعد الإطاحة بالدكتاتور، لكن الهدف كان مواجهته بأفعاله مما يؤثر على روحه وربما يجعله يراجع نفسه، لكننا في الوقت نفسه نرى الدكتاتورية الأخرى التي تتشكل على الجانب الآخر. إن المشكلة في بلادنا ليست مشكلة فرد يذهب فينتهي الأمر، بل في وجود ثقافة كاملة للقهر.

 في المشهد الأول من الفيلم نرى الدكتاتور مع حفيده يطل على المدينة من شرفة قصره المنيف، ويعلّم حفيده الطفل اللعب بالأضواء لإظلام المدينة أو إعادة الضوء إليها.. كيف صورت هذا المشهد؟

لقد أتيحت لي الفرصة أن أتجول داخل قصر "دارول أمان" في كابول، ورأيت كيف يمكنك أن ترى المدينة كلها من القصر الواقع أعلى ربوة جبلية. وقد أعددنا لتصوير المشهد بالطبع باستخدام الضوء في الليل، والدكتاتور يتحكم من خلال جهاز أمامه في إضاءة المدينة وإظلامها. ولهذا التلاعب بالأضواء مغزى عندي. فهو عندما يفاجأ بعجزه عن إعادة الأضواء إلى المدينة بعد أن يستولي الثوار على محولات الكهرباء، يدرك أن النهاية قد اقتربت، فيأمر بالإعداد لتهريب أفراد أسرته خارج البلاد، لكنه يضطر للبقاء بعد استيلاء الجيش على المطار.

 أنت تعيش وتعمل خارج إيران منذ فترة. لماذا لا تخرج فيلما عن موضوع إيراني؟ وماذا لو قررت العودة وتصوير فيلم في إيران الآن.. ماذا سيحدث؟

أخبرتني الشرطة الفرنسية بتسلل عدد من عملاء جهاز الاستخبارات الإيرانية بغرض قتلي. وبعد ذلك أثناء تصوير فيلم في أفغانستان وقع انفجار كاد يقضي علينا جميعا

لقد أخرجت أفلاما في عشرة بلدان حتى الآن منذ خروجي من إيران. والعودة إلى إيران معناها أن يقتلوني رغم كبر سني. لقد حاولوا تعطيل تصوير أفلامي كما حاولوا اغتيالي. كل عائلتي لا يمكنها العودة. لقد اعتقلوا زوج ابنتي منذ خمس سنوات وأرغموه على تطليقها، ومنعوا زوجتي من العودة لرؤية والديها وهما يشرفان على الموت.

والأمر لا يتعلق بنا فقط بل بثلاثة ملايين إيراني يعيشون في الخارج. لقد اعتقلوا زوج شيرين عبادي الحائزة على جائزة نوبل وأرغموه على الظهور على شاشة التلفزيون وتوجيه الإهانات لها. ومع ذلك فقد أخرجتُ الكثير من الأفلام الوثائقية في الخارج عما يحدث في إيران.

 سبق أن أشرت إلى محاولة اغتيالك في باريس.. ما الذي حدث بالضبط؟

لقد أخبرتني الشرطة الفرنسية بتسلل عدد من عملاء جهاز الاستخبارات الإيرانية بغرض قتلي. وبعد ذلك أثناء تصوير فيلم في أفغانستان وقع انفجار في موقع التصوير كاد يقضي علينا جميعا، نحن طاقم تصوير الفيلم.

كثير من السينمائيين الإيرانيين يعملون الآن خارج إيران، مثل أصغر فرهادي وبهمن قبادي وحتى عباس كياروستامي، وهم ممنوعون من الاتصال ببعضهم بعضا، وكل شهر نسمع عن اعتقال أحد السينمائيين لفترة ما ثم يطلق سراحه وهكذا. إنها سياسة الإرهاب والتخويف.

 كيف نجحت في جعل الطفل الذي قام بدور الحفيد صامدا بهذا الشكل أمام الكاميرا؟

الطفل دارشي أورفيلاشفيللي الذي قام بدور الحفيد في الفيلم (الجزيرة)

كان الأمر صعبا وحالفنا الحظ في العثور على هذا الطفل من بين أطفال كثيرين تقدموا. لدي خمسون ممثلا في الفيلم وكان مطلوبا تدريب هذا الطفل (داشي أورفيلاشفيللي) على الأداء، ولم يكن لدي القدرة على القيام بذلك.

وقد تطوعت ابنتي الصغرى "حنا" بالعمل معه وتدريبه بفضل خبرتها في العمل مع الأطفال، بل أصبحت تصاحبه في كل وقت، تمثل وهو يقلدها. فعندما كنا نريده أن يبكي كانت تبكي أمامه، وعندما نريده أن يضحك كانت تضحك أمامه ويقلدها هو، لقد قضت معه أربعة أشهر قبل التصوير إلى أن أصبح قادرا على القيام بدور الحفيد بشكل جيد.

 وماذا عن الممثل الرئيسي ميشا جومياشفيللي الذي قام بدور الدكتاتور؟
إنه ممثل جيد معروف في المسرح في جورجيا حيث قمت بتصوير الفيلم. ورغم عدم معرفتي باللغة الجورجية فقد أمكن أن نتفاهم معا بلغة الفن، وكان بارعا في أداء الدور وتمكن من تنفيذ كل ما طلب منه دون أي تعقيدات.

المصدر : الجزيرة