أمير العمري*

منذ سنوات بعيدة تتردد كلمة "العالمي" و"العالمية" كثيرا في الصحافة العربية والإعلام العربي، في الإشارة إلى ما تحققه بعض الأفلام أو بعض الممثلين من نجاح وشهرة ونجومية خارج الدائرة المحدودة للجمهور في بلادهم.

وقد أصبح موضوع "العالمية" -حسب المفاهيم السائدة- هاجسا مؤرقا يدفع أحيانا إلى "شراء" أو "استئجار" مخرج أجنبي يخرج لنا فيلما نموّله بأموالنا العربية تحت تصور أننا هكذا يمكن أن نصبح "عالميين"، وأننا سنتمكن من مخاطبة الجمهور في العالم.

أنفقت المؤسسات الثقافية والسينمائية في العالم العربي عشرات الملايين من الدولارات من أجل الوصول إلى تلك العالمية المفقودة، دون أن تصل إليها قط. فتارة يتم استقدام مخرج لكي يخرج لنا فيلما عن ظهور النفط والغاز، أو الاستعانة بممثل مشهور في فيلم عربي، وتارة أخرى نستأجر (من الغرب) من ينظمون لنا مهرجانا سينمائيا كاملا بكل مستلزماته، على غرار مهرجانات أخرى تقام ضمن شروط ومعطيات مختلفة تماما في أميركا مثلا. وتفشل تجربة الفيلم، وتجربة المهرجان، وتضيع الملايين هباء منثورا.

في السبعينيات، كانت تلح على المخرج العربي (الأميركي) مصطفى العقاد، فكرة صنع "أفلام عالمية"، حسب مفهومه للعالمية، أي أفلام يشترك فيها ممثلون من النجوم المشاهير في الغرب، وتكون ناطقة بالإنجليزية، بدعوى أنها الوسيلة المضمونة للوصول للعالم.

ورغم احترامي لجهود الراحل الكبير مصطفى العقاد، يجب الاعتراف بأن محاولته التي كانت ترمي إلى توظيف المال العربي في إنتاج أفلام كبيرة مبهرة على النمط الهوليوودي لم تنجح.

فشل الدعاية
لقد حصل العقاد على تمويل ضخم من العقيد القذافي في ليبيا لكي ينتج ويخرج فيلم "الرسالة"، ثم فيلم "عمر المختار". ولكن العقاد لم يستطع -رغم الميزانيات الهائلة التي أنفقت على الفيلمين وخبراء المؤثرات الخاصة الذين استعان بهم- أن يصل إلى العالمية المنشودة، فقد فشل الفيلمان في الأسواق الغربية رغم وجود النجوم العالميين (أسند العقاد إلى أنطوني كوين مثلا دور عمر المختار، كما أسند إليه دور حمزة عمّ الرسول في فيلم "الرسالة"). فقد كان الفيلمان يعانيان -شأن معظم أفلام العقاد- من الإطالة والاستطرادات وبطء الإيقاع، مع المبالغة الشديدة في تصميم المواقف الدرامية، وأساسا، من الوقوع في التمجيد والدعاية والخطابة والترويج.

تعتمد فكرة تمويل أفلام يراد لها أن تصبح عالمية على منطق "الدعاية"، سواء للنظام الحاكم أو لأبطال العرب وبطولاتهم ومعاركهم

وحديثا أنفقت ميزانية ضخمة من المال العربي على فيلم "الذهب الأسود" الذي استعان بالمخرج الفرنسي الشهير جان جاك آنو لإخراجه، وأسندت الأدوار الرئيسية فيه إلى ممثلين يتمتعون بشهرة عالمية، هم أنطونيو بانديراس وفريدا بينتو وطاهر رحيم. وكان الهدف أن يروي الفيلم قصة الصراع بين الأصالة والحداثة في العالم العربي، لكن الملايين التي أنفقت عليه ذهبت هباء فلم يحقق شيئا في أسواق السينما العالمية.

تعتمد فكرة تمويل أفلام يراد لها أن تصبح عالمية على منطق "الدعاية"، سواء للنظام الحاكم (كما فعل صدام حسين الذي أنفق عشرات الملايين على فيلم "القادسية") أو لأبطال العرب وبطولاتهم ومعاركهم وغير ذلك.

وقد أنفق الأخضر حامينا ميزانية مؤسسة السينما الجزائرية في عامين على إنتاج فيلمه "وقائع سنوات الجمر" الذي حصل حقا على السعفة الذهبية في مهرجان "كان" لرغبة الفرنسيين في تحقيق نوع من التصالح مع الجزائر والتكفير عن الماضي الاستعماري وقتها، لكنه لم يحقق تلك العالمية المنشودة، فقد كان مسخا من أفلام هوليوود السطحية المبهرة.

الفيلم الدعائي لا حياة له، فالجمهور في العالم يدرك بحسه التلقائي أنه يشاهد عملا ممولا بغرض الدعاية والترويج لصورة ربما يراها أيضا متناقضة مع ما يعرفه عن الواقع، أو ما يقرأ عنه يوميا في الصحف ويشاهده على شاشات التلفزيون، فأنت لن تستطيع أن تحسن من صورتك إلا إذا تحسن الواقع عندك أولا.

أفلام محلية
والحقيقة أن "العالمية" في السينما لا علاقة لها بالمستوى الفني كما يتصور البعض، بل ترتبط أساسا، بوجود شبكة هائلة لتوزيع الأفلام في العالم، وهي شبكة مملوكة لعدد محدد من الشركات الأميركية الكبرى، هي التي تملك أن تجعل من فيلم مثل "زوربا اليوناني" مثلا فيلما عالميا، ومن مخرج سويدي مثل بيللي أوغست مخرجا "عالميا"، أي منتشرا ومعروفا من خلال أفلامه (الناطقة بالإنجليزية) التي يشارك فيها ممثلون مشاهير من بلدان مختلفة.

ولكن من ناحية أخرى، لم يصبح المخرج التونسي رضا الباهي -مثلا- الذي أسند بطولة فيلمه "وشم على الذاكرة" إلى النجمة البريطانية جولي كريستي والنجم الأميركي بن غازارا، ثم كان يعتزم إسناد بطولة فيلم آخر إلى مارلون براندو؛ مخرجا عالميا.

ما لا يدركه القائمون على مؤسسات التمويل السينمائي في العالم العربي، أن الجمهور الغربي -وكذلك النقاد- يفضلون الأفلام "المحلية" ذات الحس النقدي

وتوفي يوسف شاهين الذي احتفي به كثيرا في المهرجانات الدولية دون الوصول للعالمية، لأن أفلامه لم يتم توزيعها عالميا من خلال الشركات الأميركية الاحتكارية!

إن ما لا يدركه القائمون على مؤسسات التمويل السينمائي في العالم العربي أن الجمهور في الغرب، وكذلك النقاد، بل والمهرجانات السينمائية التي تحتفي بأعمال السينما الفنية؛ يفضلون الأفلام "المحلية" ذات الحس النقدي، التي تعبر من خلال أساليب فنية حديثة ولغة سينمائية رفيعة عن رؤية مبدعيها لواقعهم بشكل صادق، وبأسلوب فني رفيع، وليس من خلال أفكار موجهة يتم التخطيط لها مسبقا ليكتبها من لا يفهمون أصلا جدل الواقع في العالم العربي، فليس أقدر من أبناء تلك البلدان على التعبير بصدق عن واقعهم من خلال سينما التعبير الحر التي تكشف وتعري وتنتقد وتصرخ، وتتمرد على المألوف، وتتجرأ وتقتحم المناطق الفكرية المحظورة التي تعرف في الأدب بـ"المسكوت عنه".

ولننظر إلى ما حققه المخرج التركي نوري جيلان بيلج من نجاح "عالمي"، أو ما حققه كثير من السينمائيين الإيرانيين دون حاجة للاستعانة بالنجوم الأميركيين.

ولو تقاعس طه حسين مثلا، ولم يكتب روايته ذائعة الصيت "دعاء الكروان" التي أخرجها بركات في فيلم بديع قبل 45 عاما، لربما ظلت أفكارنا عن الصعيد المصري أفكارا عتيقة لا تمت بصلة لما يكمن تحت سطحه الساكن الجاف!

اصنع فيلمك "المحلي" بصدق وكن متفردا ومبدعا وموهوبا، فقد تصل إلى العالمية من دون أن يكون فيلمك ناطقا بالإنجليزية، ودون أن يكون من بطولة مارلون براندو!

_______

* كاتب وناقد سينمائي

المصدر : الجزيرة