هيثم حسين

يكشف الإيطالي أمبرتو إيكو في روايته "مقبرة براغ" النقاب عن بعض الحقائق التاريخية التي يتم التكتم عليها أو إخفاؤها، وذلك من خلال اختلاق شخصية متخيلة تسرد تفاصيل مثيرة، بحيث يبلور المزج بين الحقيقة والخيال صورة للحقيقة الروائية التي تستمد قوتها من التاريخ والواقع، وتكتسب تفردها من تنسيبها إلى الخيال الروائي.

يكتب إيكو ممارسات العتمة وحكايات الظل والظلام. ويبرز أن هناك مركزية عالمية تسعى إلى إبقاء العالم مستنقعا لترويج الضغائن والأحقاد والانتقامات، ومسرحا لخلق البلبلة والقلاقل باطراد، حيث تسعى سلطة الخفافيش لتسييد العتمة والشرور.

ينسج إيكو روايته -نشرتها دار الكتاب الجديد بترجمة أحمد الصمعي- على طريقة اليوميات التي يعترف فيها راويه النقيب سيمونيني بما اقترفت يداه من جرائم وتجاوزات بحق عدد من الأعراق والحكومات والإمبراطوريات، في ذروة احتدام الصراع على السيطرة والنفوذ في القرن التاسع عشر، حيث بداية ارتسام الخريطة الجديدة للقرن العشرين، والمخططات والمكائد والمؤامرات والدسائس التي اكتسب ديمومة من زمن لآخر، واكتست لبوسا جديدا مختلفا كل مرة.

تزوير الوثائق
يشكل التاريخ الخزان الثر لصاحب "اسم الوردة" يعيد النهل من ينبوعه.

وتحضر في الرواية، التي قوبلت بانتقادات من قبل الفاتيكان وبعض اليهود، أحداثا تاريخية هامة، منها حملة غاريبالدي، أحداث الكومونة في باريس، قضية درايفوس، وغيرها. وتدور أحداثها في القرن التاسع عشر بين تورينو وباليرمو وباريس، حيث عالم من الشر المستطير يسود ويقود، بحيث تكثر الأقنعة، وتتعدد المصادر، وتتشعب الحكايات، وتكتسب صبغة الحقائق، في حين أنها كانت عبارة عن أكاذيب ملفقة بإتقان واحتراف.

يصف سيمونيني عمله بأنه سلطة الفن المذهلة، وأنه من الجميل أن يصنع أحد من لا شيء وثيقة عدلية، أن ينحت رسالة تبدو حقيقية، أن يركّب اعترافات مشبوهة، أن يخلق وثيقة تجر أحدا إلى الهلاك

الراوي سيمونيني يتبادل السرد مع القس دلا بيكولا، وهو شخصية مفترضة مثله، يتقمصها ليحكي جوانب مما كان يرتكبه باسمه، وتحت ردائه الكهنوتي الفضفاض الذي كان يتسع للإجرام والتلفيق والتزوير والتزييف والتجسس والتفتيت.

ويستهل يومياته بتأريخ 1897، ثم يعرف بنفسه، ويعود إلى سنوات خلت، وينتقل بين العقد والآخر مستذكرا تفاصيل أحداث عاصرها وعايشها، وكان شاهدا عليها، أو مشتركا متواطئا أو متآمرا فيها.

يتشبع سيمونيني بأفكار الكره والحقد على الآخرين، خاصة اليهود، تتعاظم لديه الشكوك والضغائن تاليا، وحين يعمل لدى كاتب العدل ريبودانغو، ويتتلمذ على يديه ليتعلم سبل تزييف الوثائق وتزويرها. كما يجري اتصالات مع مخابرات عدة دول وإمبراطوريات يشتغل في خدمتها، حيث يصبح عميلا مزدوجا، ينتقل من خدمة جهاز إلى خدمة آخر.. من المخابرات البروسية إلى الفرنسية إلى الروسية والألمانية وغيرها، يقدم خدماته المأجورة كأي قاتل محترف مأجور.

يصف سيمونيني عمله بأنه سلطة الفن المذهلة، وأنه من الجميل أن يصنع أحد من لا شيء وثيقة عدلية، أن ينحت رسالة تبدو حقيقية، أن يركّب اعترافات مشبوهة، أن يخلق وثيقة تجر أحدا إلى الهلاك. الكره يكون محركه الرئيس، تكون مقولته "أنا أكره.. إذن أنا موجود"، شعاره لتذكية أحقاده المتراكمة. ويصف اليهود بأقذع الأوصاف، مستمدا مبرراته من التاريخ والواقع.

يكتب الراوي ما يفترض أنه وقائع ليلة من ليالي 1880 اجتمع فيها عدد من أحبار اليهود في مقبرة براغ ليدونوا بروتوكولاتهم التي عرفت لاحقا ببروتوكولات حكماء صهيون، وأوجبوا فيها ضرورة العمل على البدء بمخططهم لتحقيق أحلامهم بغزو العالم والهيمنة عليه.

ويؤكد بطل الرواية أن تلك البروتوكولات تشتمل على كره الآخر ومعاداته، وتنطوي على سياسة خبيثة في تفتيت العالم بغية السيطرة عليه، ذلك أن أحبار اليهود خططوا للاستحواذ على السكك الحديدية، والمناجم، والغابات، وإدارة الجباية، والملكيات العقارية الكبرى، والهيمنة على سلك القضاء والمحاماة والتربية العمومية، واختراق الفلسفة والسياسة والعلوم والفنون، وبالخصوص الطب، لأن الطبيب يدخل إلى البيوت أكثر من الكاهن، إضافة إلى تخريب الدين، ونشر الفكر الحر، واحتكار تجارة الكحول، ومراقبة الصحافة، وغير ذلك من السبل التي تكفل السيطرة على العالم، رافعين شعار أن الغاية تبرر لهم الوسيلة دوما.

حقائق كأكاذيب
يرسم إيكو صورة مرعبة عن الشر المعمم الذي يتقنع بأقنعة الدين والأدب والفن والعلم والفلسفة. يظهر بطله وكأنه يفتح الصندوق الأسود لحكماء صهيون فيكشف سلطة الماسونية الشبحية، ودورها في صناعة القرار ورسم السياسات وتغيير الخرائط وتنصيب قادة وزعماء. يؤمن بالشر دافعا وقائدا ومحركا للبشر، وما ينتجه من إفرازات على هامش افتعال الحروب والأزمات في أكثر من بقعة.

ينوه إيكو بأن الشخصية الوحيدة المختلقة في روايته هي شخصية بطله سيمونيني، ويشير إلى أن كل الشخصيات الأخرى وجدت حقيقة وفعلت وقالت الأشياء التي فعلتها وقالتها في الرواية

ويعاصر البطل المفترض شخصيات تاريخية وأدبية في تلك الحقبة، ناهيك عن الشخصيات المخابراتية الشبحية التي تحضر كأطياف تقود مجتمعات بأسرها وتنفذ مخططات خطيرة. من الشخصيات الحاضرة في الرواية: سيغموند فرويد، فيكتور هيغو، نابليون بونابرت، ألكسندر دوما، دوستويفسكي، بروست، دوركهايم، مونيه، رينارد، زولا.. وغيرها.. تكمل رسم صورة المرحلة، كل شخصية من جانب، بحيث تكتمل الخريطة العالمية الفاعلة في الأدب والسياسة، وما تسببت به من آثار عميقة لاحقة.

ويلفت السارد النظر إلى أنه لولا أن يومياته واعترافاته تورد أشياء حقيقية إطلاقا، لبدا أن فن الراوي هو الذي نظم هذا التناوب بين النشوة النسيانية والتذكر المكتئب. يتحدث عن النوايا الحسنة وواقع الأشياء، والتناقض السافر الكامن بين ما يصرح به المرء وما يضمره. يقول: لقد عرفت دائما أشخاصا يخافون مؤامرة يدبرها عدو سري. ترى كم يوجد من أشخاص في هذه الدنيا يشعرون بأن مؤامرة تتهددهم. ويصف ذلك بأنه قالب يمكن لكل امرئ أن يملأه بما يريد، حيث "لكل امرئ مؤامرته".

ينوه إيكو إلى أن الشخصية الوحيدة المختلقة في روايته هي شخصية بطله سيمونيني، بينما جده النقيب سيمونيني ليس مختلقا، حتى وإن عرفه التاريخ باعتباره المؤلف الغامض لرسالة مفترضة هامة. ويشير إلى أن كل الشخصيات الأخرى وجدت حقيقة وفعلت وقالت الأشياء التي فعلتها وقالتها في الرواية. ويلفت النظر إلى أن بطله قد وجد بصورة ما، وأنه لا يزال موجودا بيننا. حتى وإن بدا أنه نتيجة لعملية إلصاق، بحيث أسندت إليه أشياء قام بها في الواقع أشخاص مختلفون.

ينوع إيكو في مستويات السرد، فلديه عدة رواة، سيمونيني، القس دلا، والراوي العليم الذي يتدخل بعض الأحيان لتوجيه دفة السرد وضبط انفلات اليوميات، والإشارة إلى واقعية الحكايات والأحداث والشخصيات. ويتلاقى الرواة في تدقيقهم وتحبيكهم للأحداث التي تتبدى متسلسلة، رغم الاسترجاعات الكثيرة، وما يبرز أنه تداعٍ حر للشخصية حين تستعيد بعض أحداث ماضيها أو تتنبأ بأحداث قادمة.

المصدر : الجزيرة