أمير العمري-البندقية

من قبل عرضه في مهرجان البندقية أثار فيلم "فيلا توما" -أول أفلام الفلسطينية سهى عراف كمخرجة- ضجة كبيرة في إسرائيل، إذ احتج عدد من المسؤولين الإسرائيليين في وزارة الثقافة ومؤسسات الدعم السينمائي على قيام مخرجة الفيلم بنسبة فيلمها إلى فلسطين عندما تقدمت به إلى المهرجان الكبير رغم حصولها على دعم حوالي أربعمائة ألف دولار من صندوق دعم الأفلام الإسرائيلية، وهو ما دفع وزيرة الثقافة الإسرائيلية إلى التصريح بأنها ستطالب برد المبلغ الذي حصلت عليه المخرجة إلى خزينة الدولة بدعوى أنها خالفت شروط الحصول على الدعم المالي من الأموال العامة.

سهى عراف ردت بالتصريح أولا بأنها كانت ستتفهم الأمر لو أن الاعتراض جاء على قتل النساء والأطفال الفلسطينيين في غزة، ثم نشرت مقالا في صحيفة نيويورك تايمز الأميركية أكدت فيه أن هويتها فلسطينية، وقالت إنها تعيش في دولة إسرائيل ومن حقها كمواطنة تدفع الضرائب أن تحصل على الدعم الذي يحصل عليه غيرها من السينمائيين الذين يعملون داخل نطاق الدولة دون أن يترتب على هذا أن تتخلى عن هويتها وهوية فيلمها. والسجال لا يزال مستمرا حتى لحظة كتابة هذه السطور.

وسبق لمخرجة الفيلم أن كتبت سيناريو فيلمين من أفضل ما أنتجت السينما الإسرائيلية، هما "العروس السورية" و"شجرة الليمون"، وهما من إخراج عيران ريكليس الذي يعتبر أحد دعاة السلام في إسرائيل، كما أنه ينادي بضرورة حصول الفلسطينيين على دولة مستقلة.

وعبّر فيلما ريكليس عن موقفه هذا، بل كانا يكشفان للعالم القيود العنصرية التي تفرضها إسرائيل على الفلسطينيين الذين يعيشون في الداخل أي وراء خط 1948، والاعتداءات التي تمارسها السلطات على أراضيهم بدعوى الاعتبارات الأمنية، وذلك من خلال شكل فني رمزي جذاب يبتعد عن الشعارات ويصور الشخصية الفلسطينية في تفاصيلها الإنسانية.

مشهد من فيلم "فيلا توما" المعروض في مهرجان البندقية السينمائي (الجزيرة)

الأخوات الثلاث
ولا شك في أن الفضل يعود أساسا إلى قوة السيناريو الذي كتبته سهى عراف، ونجاحها في تصوير الحياة الفلسطينية بشفافية ورهافة حس، كما يعود أيضا إلى المستوى الرفيع للأداء التمثيلي في كلا الفيلمين، والذي قام به عدد من أفضل الممثلين الفلسطينيين.

أما فيلم "فيلا توما" -الذي كتبته وأنتجته وأخرجته- فهو أبعد ما يكون عن تناول "الحالة الفلسطينية" في جدليتها وعلاقتها بالأحداث الساخنة اليومية التي تحدث في الضفة الغربية، بقدر ما كان الفيلمان السابقان أقرب إلى تناول الموضوع السياسي من خلال التفاصيل الإنسانية المؤثرة.

تختار الكاتبة (المخرجة) منطقة رام الله كموقع للأحداث، وتصور كيف انحدر الحال بثلاث شقيقات فلسطينيات ينتمين إلى عائلة فلسطينية مسيحية من عائلات "الطبقة الراقية" بعد احتلال إسرائيل الضفة الغربية عام 1967.

لكن الزمان في الفيلم لا يبدو دقيقا، فنحن نسمع من يشير إلى أيام الانتفاضة الأولى، أي إلى أواخر الثمانينيات، والمشكلة التي تواجه الشقيقات الثلاث، وكبيرتهن -التي تقوم بدورها نسرين فاعور، وهي شخصية مهيمنة مسيطرة تدير الأمور بطريقتها الجافة داخل المنزل الذي يحافظ على أثاثه العتيق- أنه لم يعد هناك فلسطينيون كثيرون مسيحيون يصلحون أزواجا لهن.

وعندما تأتي ابنة شقيقهن اليتيمة للعيش معهن بعد أن تغادر الدير تنقلب حياتهن رأسا على عقب، فهذه الفتاة الشابة البريئة "بديعة" لا تبدو راغبة في التأقلم مع نمط الحياة الجافة للشقيقات "العانسات"، فترغم على تعلم المشي بطريقة ما يعتبرنها طريقة الطبقات الراقية، كما تتعلم كيف تجلس وكيف تعزف على البيانو، لكنها تغرم بشاب فلسطيني مسلم من أبناء المخيمات، وتقيم علاقة معه تنتهي إلى أن تحمل منه، ثم نعلم بشكل عابر أنه استشهد في إحدى عمليات المقاومة.

هنا يتحول الفيلم إلى ميلودراما ثقيلة عتيقة عن كيفية الخلاص من تلك "الفضيحة" التي تهتز لها العمة الكبرى، مما يجعلها تتمنى موت الفتاة، وهو الأمر الذي يحدث بالفعل عند الولادة!

مشهد يصور "بديعة" وهي تتعلم أصول المشي مثل نساء الطبقات الراقية (الجزيرة)

إيقاع بطيء
يتردد في الفيلم أن والد الفتاة الشابة "بديعة" أي شقيق الأخوات الثلاث كان قد تزوج بامرأة مسلمة أنجب منها بديعة ابنته الوحيدة، مما أدى إلى مقاطعة العائلة له، وعلى حين تستهجن العمة الكبرى علاقة الفتاة بشاب مسلم تبدو الشقيقة الصغرى (تقوم بالدور المخرجة والممثلة شيرين دعبيس) أقرب إلى بديعة، فهي تستنكر تلك النبرة العنصرية في الحديث عن "الآخر" كما تبدو أكثر تفهما لمشاعر بديعة ورغباتها.

وهناك أيضا إشارات إلى هجرة الشباب الفلسطينيين المسيحيين إلى أميركا وصعوبة العيش في ظل الاحتلال، وكأن المشكلة أصبحت تنحصر في عدم القدرة على العثور على أزواج مناسبين، وهو ما يجعل الفيلم يبدو مجردا تنتمي شخصياته إلى عالم عتيق من الماضي، ولا أثر في الفيلم للصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي لا بدّ أنه يلقي بظلاله الثقيلة على حياة الفلسطينيين، بل يبدو الهم الرئيس للعمة الكبرى متركزا في تزويج بديعة وربما شقيقتيها أيضا.

ويعاني الفيلم من التكرار والإيقاع البطيء وسطحية رسم الشخصيات، والمبالغات الميلودرامية التي تحدث أثرا عكسيا لما هو متوقع منها، كما يؤدي جمود الشخصيات وافتعال حركاتها وتصرفاتها، بل وكيفية مشيها في شوارع المدينة بكل تلك الأزياء الغريبة والقبعات التي تضعها فوق الرؤوس والماكياج المغالي إلى عدم تعاطف المتفرج معها.

كما تعتمد المخرجة في بناء المشاهد على التصميم المسرحي، سواء في الحركة أو في الإضاءة (الخافتة الجانبية)، مع الاعتماد على حوار طويل لا ينقطع وموسيقى ثقيلة متكررة حزينة تستخدم فيها نغمات التشيللو والكمان والبيانو.

النتيجة أننا أمام عمل سينمائي لا يقدم رؤية جديدة لقضية العيش الفلسطيني تحت الاحتلال، ولا لموضوع الأسرة الفلسطينية التي فقدت عمادها الذي كانت تستند إليه اقتصاديا، ولا لتداعيات فكرة رفض الانتماء السياسي بدعوى البعد عن "وجع الرأس" اكتفاء بإحكام إغلاق الأبواب جيدا والعزلة عن العالم كما تفعل الشقيقات الثلاث، إلى أن تقع الكارثة التي تهز حياتهن.

ولو كانت أحداث هذه القصة المسرحية في بريطانيا الفيكتورية أو إيرلندا الكاثوليكية المتشددة لما اختلف شيء، وهذه هي المشكلة الحقيقية للفيلم!

المصدر : الجزيرة