أمير تاج السر*

من الأدوات التقليدية التي تلجأ إليها الصحافة من حين لآخر لصياغة مواضيع قد تهم القراء، وربما لا تهمهم على الإطلاق، مشاركات استطلاعات الرأي التي ترسل لبعض الناس، ويحدد فيها الصحفي عدد الكلمات التي من المفترض أن يكتبها المشارك والوقت اللازم لتسليمها، وتتراوح تعبئة هذه المشاركات بين عدد بسيط من الكلمات، إلى آلاف الكلمات في المشاركات الكبيرة، وفي المواضيع التي تعتبرها الصحافة حيوية.

لكن في الغالب تنشط هذه الأداة في بعض المناسبات، مثل أن يموت مغن ما أو كاتب معروف، أو يعتزل زعيم لبلد آفة السياسة، وربما حين حدوث حدث كبير مثل ثورة أو انقلاب في أحد الأقطار.

أنا أعتقد أن استطلاعات الرأي هذه رغم قدمها وخلوها من الجذب واعتبارها عبئا على الأشخاص الذين ترسل إليهم، فإنها تعتبر أدوات ممتازة لرصد الآراء المتباينة لنفس الحدث، خاصة حين يتعلق الأمر بحدث مصيري، مثل ذلك اليوم، حين سئلنا جميعا بهذه الطريقة عن رأينا في مسألة انفصال جنوب السودان عن شماله، وأجبنا بما أملته حرقة الدم، وأيضا تعتبر في رأيي تكريما لمبدع راحل حين يتحدث عنه أشخاص عدة في ملف للرأي تضعه صحيفة بعد وفاته.

ثقافة المشاركة
بناء على هذا الرأي في الاستطلاعات، كنت حريصا على عدم رفض المشاركة في أي من الملفات التي يناديني محرروها للمساهمة فيها، حيث ألتزم عادة بعدد الكلمات المحدد مهما كان رأسي مليئا بالثرثرة والموعد الذي ينبغي للتسليم فيه، رغم مشاغل عدة كثيرة.

من حق الكاتب أو المبدع الأدبي عموما أن ينصف في تفاعله مع المجتمع وأدوات الحياة عامة، وأن لا يعتبر مرجعا لكل ما حدث وسيحدث، ويلام على عدم معرفته إن كان لا يعرف

سؤالي هنا: ما نوع المشاركات التي ينبغي أن تطرح على كاتب أدبي أو شاعر ليدلي برأيه فيها؟ وهل ينبغي على الكاتب أو الشاعر أن يكون ملما بكل شيء، حتى لو كان خارج نطاق تخصصه، وبعيدا عن اهتماماته بدرجة كبيرة؟

أعتقد أن من حق الكاتب أو المبدع الأدبي عموما أن ينصف في تفاعله مع المجتمع وأدوات الحياة عامة، وأن لا يعتبر مرجعا لكل ما حدث وسيحدث، ويلام على عدم معرفته إن كان لا يعرف حقيقة، لأن الحياة تخصص كما نعرف كلنا، وما يعرفه عامل بناء متواضع يعمل تحت الشمس عن أسباب انهيار العمارات الإسمنتية، قد لا يعرفه كاتب قرأ آلاف الكتب وألف عددا منها، وكذا لن نسأل شاعرا عن رأيه في وجود حفر عميقة في شارع رئيسي، وما مدى تأثيرها على مجرى الحياة، إن تركت بلا ردم. لن يعجز الشاعر بالتأكيد على التعلق بأي جمل طارئة تأتي إلى ذهنه وكتابتها ردا للاستطلاع، لكن أتحدث عن المبدأ وعما أسميه إنصاف المبدع ومعرفة ما له وما عليه.

لقد كتبت مرة عن الحوارات الصحفية التي تجرى مع المبدعين من حين لآخر، بغية اكتشاف ما لديهم من الجديد، ومعرفة آرائهم في منظومة الإبداع عامة، وتحدثت عن انفلات مثل هذه الحوارات، إن زادت عن الحد، أو تكررت أسئلتها لتصبح إشغالا حقيقيا للمبدع عن إبداعه، وإجبارا له على المشي في سكة لن تؤدي به لكتابة رواية أو قصة أو قصيدة، ولكن لتكرار ما قاله عشرات المرات من قبل.

استطلاعات الرأي في المسائل التي لا تهم الإبداع تنحو نفس النحو، أي تصبح حواجز قاسية تقف بين الإبداع ومشعليه، والإصرار على التجاوب من قبل من يرسلون مشاركات الرأي تجعل المبدع يفر من التواصل مخافة أن يقتنصه أحد ويسأله عن رأيه في انزلاق الفستان عن كتف إحدى المغنيات أثناء وصلة غنائية، وعن رأيه في سعر السيجار الكوبي الفاخر، وعن رأيه في الشجار الذي وقع بين كابتن أحد المنتخبات الرياضية، وحكم مباراة خسر فيها فريقه.

أحداث مهمة
حقيقة، كل الأحداث التي تجري في الدنيا مهمة بدرجة كبيرة. فسقوط طائرة على متنها مائتا شخص حدث كبير ومهم، ومن الممكن أن تكون ثمة استطلاعات للرأي عن الفساد وسوء الإدارة وعدم استخدام إجراءات السلامة، وثورة بركان خامد منذ قرن وتدميره مدينة أنشئت تحته حدث مهم سيثير تساؤلات عن إنشاء المدن تحت البراكين الخامدة، ولكن على من يطرح هذا السؤال؟

هل يطرح (سؤال إنشاء المدن تحت البراكين الخامدة) على شاعر في بلاد بعيدة عن البراكين ثائرة أو خامدة، يكتب قصيدته بحلوها ومرها، ويتثقف بما يخدم القصيدة؟ وهل يطرح على كاتب رواية من بيئة لا تعرف ما يسمى بالبراكين؟

هل يطرح على شاعر في بلاد بعيدة عن البراكين ثائرة أو خامدة، يكتب قصيدته بحلوها ومرها، ويتثقف بما يخدم القصيدة؟ وهل يطرح على كاتب رواية من بيئة لا تعرف ما تسمى بالبراكين؟

في إحدى المرات أرسل لي أحدهم سؤالا ضمن استطلاع للرأي عن صناعة الورق وأنواعه وتأثيره على أسعار الكتب، وعلي الإجابة عن السؤال بما لا يقل عن ألف كلمة.

اعتذرت بالطبع، فلم أكن أعرف شيئا عن أنواع الورق أو أسعاره، ولا فكرت وأنا أتصفح كتابا في قياس وزن الورق ومعرفة إن كان جيدا أم لا؟ هي قراءة للكتاب بكل حسناته وعيوبه، وما عدا ذلك قد يهم المطبعة أو ناشر الكتب الحريص على إخراج كتبه بطريقة جيدة، أو الذي لا يهتم إن خرجت جيدة أو رديئة. ويبدو أن اعتذاري كان محركا لغضب كبير لدى مرسل السؤال لأنه هاجمني بعد ذلك.

في مرة ثانية، سئلت عن وسامة كتّاب الروايات هل هي ضرورية من أجل أن توزع كتبهم؟ أم أن الكاتب لا يحتاج إلى ملامح جذابة في مهنته؟ وكان بالطبع سؤالا خارج الأطر المعروفة لصياغة الأسئلة، وخارج حدود الذوق العام أيضا، ولا أعتقد أنه كان سيجيب عليه أحد ممن أرسل إليه.

لنُترك في كتابتنا وما يخصها، وما يدور حولها، أولا وأخيرا، ولا مانع من الاشتراك في تلك الاستطلاعات التي تهم الأوطان كلها إن صيغت بطريقة بعيدة عن حسن الظن الذي يطول المثقفين عادة. في هذه الحالة، سنعثر قطعا على الإجابات المناسبة للأسئلة المناسبة.

_______________

* روائي وكاتب سوداني

المصدر : الجزيرة