حاوره: أمير العمري-سان سباستيان

من أهم ما عرض من أفلام في مهرجان سان سباستيان الأخير (من 19إلى 27 سبتمبر/أيلول الجاري) فيلم "النمور" للمخرج البوسني الشهير دانيس تانوفيتش الذي دخل دائرة الشهرة عالميا بعد حصول فيلمه "منطقة محايدة" (No Man's land) عن عبثية دراما الحرب في البوسنة على جائزة الأوسكار لأحسن فيلم أجنبي.

وتانوفيتش معروف باهتمامه الكبير بالقضايا الاجتماعية والسياسية في أفلامه. وفي العام الماضي قدم فيلم "فصل في حياة جامع الخردة" الذي حصل على الجائزة الكبرى في مهرجان برلين السينمائي، وكان يصور القصة الحقيقية لرجل وزوجته من المسلمين الفقراء الذين يعيشون في قرية نائية في البوسنة، وكيف يعاني الزوج من أجل نقل زوجته الحامل إلى المدينة حيث يرفض الأطباء التعامل مع المرأة رغم أنها كانت تشرف على الموت بعد أن تعرضت لنزيف حاد بدعوى أنها لا تملك بطاقة طبية. وكيف اضطر الرجل إلى استخدام بطاقة طبية لامرأة أخرى ولجأ لتزوير البيانات لكي ينقذ زوجته من الموت. وكان من المثير استخدام تانوفيتش الرجل والمرأة الحقيقيين لإعادة تمثيل قصتهما الحقيقية في الفيلم الذي لعب دورا رئيسيا في تعديل قواعد تطبيق الخدمة الطبية هناك.

يعود تانوفيتش إلى مهرجان سان سباستيان بإسبانيا حيث شارك بفيلمه الجديد في المسابقة الرسمية، ومرة أخرى يعتمد الفيلم على قصة حقيقية وقعت فصولها في باكستان لها علاقة بالأوضاع الصحية المتدهورة.

لقطة من فيلم "النمور" (الجزيرة)

جريمة في حق الأطفال
بطل الفيلم مندوب دعاية يدعى "أيان" يعمل لحساب شركة عالمية كبرى في الترويج لمسحوق يُستخدم بعد خلطه بالماء حليبا للأطفال بديلا عن الرضاعة الطبيعية (الثدي)، وكيف يحقق نجاحا كبيرا في عمله، ثم يكتشف أن معظم الأمهات يخلطن المسحوق بمياه ملوثة بسبب عدم توفر مياه نقية في المنازل، مما يؤدي إلى وفاة عشرات الآلاف من الأطفال متأثرين بالإصابة بالنزلات المعوية التي تؤدي إلى الجفاف. ويركز الفيلم على المعركة التي يخوضها هذا الشاب لكشف تلك الكارثة أمام الرأي العام وبالتالي دفع الشركة إلى وقف نشاطها هناك، وهو ما يعرضه للتهديد، ويدفع كبار المسؤولين إلى التدخل لوقف تصعيده للقضية لكنها تصل إلى مستويات دولية مثل منظمة الصحة العالمية.

ويتضمن الفيلم الكثير من المعلومات عن وفيات الأطفال في باكستان، وعن نفوذ الاحتكارات العالمية، وكيف تستند تجارتها إلى شبكة فساد ضخمة في البلاد، وكيف يدفع "أيان" ثمن كشفه الحقائق للرأي العام.

وكان لنا هذا اللقاء في سان سباستيان مع المخرج دانيس تانوفيتش ليحدثنا عن تجربته في صنع هذا الفيلم المثير للجدل:

 أولا نريد أن نعرف كيف جاءتك فكرة صنع فيلم في باكستان عن هذا الموضوع؟
صدر الكتاب الذي يروي فيه الموظف الحقيقي في تلك الشركة التي قمنا بتغيير اسمها في الفيلم لأسباب قانونية، عام 1999، لكني لم ألتفت له إلا منذ ثماني سنوات.

المخرج البوسني الشهير صاحب الأوسكار دانيس تانوفيتش (الجزيرة)

وخلال تلك الفترة قمنا بالكثير من البحث وتسجيل اللقاءات مع عدد كبير من الأطراف التي أحاطت بهذا الموضوع/القضية. وكنا كلما تصورنا أننا توصلنا أخيرا إلى شكل نهائي للفيلم، تتضح أمامنا معلومات جديدة، كما واجهنا الكثير من العقبات الإنتاجية، وكان المشروع يتعطل لأسباب كثيرة، إلى أن بدأنا التصوير بالفعل، ومع ذلك لم أكن أصدق أننا سنتمكن من إنجاز الفيلم، فكما أن بطل القصة وهو موظف بسيط يواجه مؤسسة ضخمة ممتدة الأذرع في العالم، كنت أنا أيضا أخشى أن يتوقف المشروع نتيجة الضغط على جهات الإنتاج، لذلك كنا نتوخى الدقة فيما يتعلق بكل ما نجمعه من معلومات إلى أن أنجزنا الفيلم.

 الكتاب الأصلي الذي يروي فيه "سيد أعمير رضا" قصته عنوانه "العبث بالمنتجات: كيف تمنح شركة نيستليه الأولوية لمبيعاتها على حساب صحة الأطفال؟"، ولكنك أطلقت على الفيلم "النمور" فماذا يعني ذلك؟

مدير فرع الشركة في باكستان كان يكرر هذه الكلمة "نمور" مرارا على المتقدمين للعمل كمندوبين للدعاية لمنتجات الشركة، وكان يذكّرهم أنه يريد "نمورا" متوحشة تنزل إلى السوق، تفترس أهدافها، وتلتهمها، وكانوا يتعلمون -كما نرى في الفيلم- كيف يرشون الأطباء والممرضات بالهدايا حتى يوصوا بمنتجاتهم، بل لقد وصل نفوذهم إلى داخل المؤسسة العسكرية والحكومة أيضا. الفساد منظومة متكاملة لذلك كان لابد أن يشعر البطل الصغير (وهو مثل داود) بضآلته أمام (جالوت) العملاق، لكنه واصل التحدي بعد أن استقال من وظيفته وتعرضت أسرته للخطر. فالنمور يلتهمون الأرباح ولا تهمهم النتائج.

 وكيف تعاملت مع مادة الكتاب من خلال السيناريو؟

شعار مهرجان سان سباستيان للأفلام بإسبانيا (الجزيرة)

كان من المهم قبل أن ندخل في صميم الموضوع، أن نصور الحياة الشخصية لبطل القصة، وكيف كان يعيش وسط أسرة فقيرة في منزل الأسرة المزدحم، وكيف كانت بدايته في العمل في توزيع منتجات دوائية باكستانية لا يرغب أحد من الأطباء في التعامل معها، وكان يعاني شظف العيش، ثم كيف التقى بـ"زينب" وتزوجا، وكيف كان والده عاملا أساسيا في حمايته والوقوف معه حتى النهاية، كما كانت زوجته سندا له فيما بعد، وقالت له إن حماية أطفالها ليست أهم من حماية أرواح ملايين الأطفال.

وللعلم، يولد سنويا في باكستان نحو خمسة ملايين طفل يموت منهم حوالي مليون ونصف المليون طفل. والمشكلة أن الشركة رفضت تحمل أي مسؤولية عن الموضوع وكانت تكرر دائما أنها ليست مسؤولة عن تقاعس الحكومة عن توفير مياه نقية للشرب لخلط المسحوق الذي ينتجونه.

 أنت تمزج في الفيلم بين الأسلوبين الوثائقي والروائي؟
نعم، استخدمنا لقطات لأطفال كثيرين يرقدون مرضى في حالة مأساوية بعد أن تضاءلت أجسادهم وجفت تماما، وهي لقطات عثرنا عليها في فيلم وثائقي أسترالي عرض عام 1989، ولكن فريق التصوير الذي أرسلناه عام 2013 إلى باكستان عاد ومعه لقطات كثيرة مشابهة من داخل المستشفيات. وقد استخدمنا لقطات الوثائقي الأسترالي كفيلم يشاهده البطل وزوجته على شاشة التلفزيون، بينما استخدمنا اللقطات الحديثة التي صورناها في مشاهد تردد البطل على صديقه الطبيب في المستشفى، وهو الطبيب الذي لفت نظره إلى المأساة التي تحدث بفعل المسحوق الذي يقوم بالترويج له بحماس.

 ما الذي تأمل أن يحققه الفيلم؟
ما زال هناك مئات الملايين من البشر في العالم محرومين تماما من أي وسائل صحية حقيقية، منهم ما يقرب من مليار شخص ليست لديهم دورات مياه لقضاء حاجاتهم، بل يقضون حاجاتهم في المزارع والطرقات في الريف. هناك لحسن الحظ 35 دولة في العالم الثالث أصبحت تحظر حاليا تلك الممارسات. وآمل أن تصدر باكستان في ضوء هذا الفيلم وما يكشفه تشريعات لحظر توزيع منتجات تتسبب في هذه الأوبئة، وأن تبدأ في تحسين مستوى حياة الناس على الأقل عن طريق تزويدهم بمياه صالحة للشرب.

المصدر : الجزيرة