إبراهيم الحجري-مراكش

غيّب الموت الفنان فريد بلكاهية مساء أمس بمراكش بعد معاناة طويلة مع مرض عضال ألمّ به. وقد كان الراحل من رواد الحداثة البصرية بالمغرب من خلال توسيعه أفق اللوحة المسندية كي تتفاعل مع حوامل أخرى. وكان لتعدد مواهبه وأساليب اشتغاله دور كبير في رفد تجربته وإغنائها، حيث ترك تراثا بصريا غنيا جمع بين الرسم الزيتي والنحت وزخرفة الجلد والنقش على النحاس.

وعُرف بلكاهية باشتغاله على المفهوم في أغلب أعماله التشكيلية الحديثة، الشيء الذي أهّله ليكتسب صيتا عالمياً عبر معارضه في مختلف الجغرافيات الثقافية، كما أن أسفاره البطوطية هيأت له اكتشاف الجغرافيات والبيئات الثقافية، وعرّفته على المشترك الإنساني في مختلف القارات، مما دفعه إلى تكريس جهده للعمل على تيمة الألم الإنساني في شتى أعماله الفنية على اختلاف مظاهرها.

الحيسن: الجسد الإبداعي التشكيلي المغربي فقد إحدى دعائمه برحيل بلكاهية (الجزيرة)

واعتبر الناقد التشكيلي إبراهيم الحيسن في تصريح للجزيرة نت أن الجسد الإبداعي المغربي عامة والتشكيلي خاصة فقد برحيل بلكاهية إحدى دعاماته الأساسية نظرا لما قدّمه للفنون البصريّة المغربية من لمسات حداثية فريدة، ارتقت بها من الخصوصية إلى العالمية، بفضل اشتغاله الواعي على الحوامل والخامات والمواد الفنية.

مسار حافل
ازداد الفنان بمراكش عام 1934، ورحل صغيرا إلى أزمور والجديدة لمتابعة دراساته الابتدائية، قبل أن يعود إلى مراكش حيث أنهى دراسته الثانوية بثانوية مانجان، ووقتها كان قد بدأ الاشتغال بالتصوير الصباغي، حيث رسم بلكاهية منذ سن الخامسة عشرة "بورتريهات" بالألوان الزيتية، وهي التجربة التي سيسمّيها فيما بعد بالمرحلة التعبيرية أو مرحلة براغ. وفي 1954 أقام أول معرض له بفندق المامونية بمراكش.

سافر الفقيد ما بين عامي 1955 و1959 إلى باريس لمتابعة تكوينه في مدرسة الفنون الجميلة، وهناك التقى بصديقه الفنان التشكيلي الجيلالي الغرباوي، ثم استكمل دراستَه في العاصمة التشيكية براغ ليعود بعدها إلى المغرب عام 1962، ليتولى إدارة مدرسة الفنون الجميلة في الدار البيضاء حتى العام 1974.

أحد الأعمال الفنية للراحل فريد بلكاهية (الجزيرة)

وفي هذه المرحلة انتقل من إبداعه للرسم بالألوان الزيتية إلى فن الطرق على النحاس، كما عمِل على تطويعه على أبعادٍ متعددة ليُشكَل منه نفائس للتعليق على الجدران.

وفي منتصف السبعينيات اشتهر بلكاهية بأعماله الجلدية، مستخدماً طرقاً تقليدية على شاكلة اشتغال نساء الأطلس على الصوف والجلد، لاسيما في رصفه فوق أشكال مهيأة سلفاً باعتبارها حوامل، ومن ثمّ العمل عليه بصبغات الجلد الطبيعية مثل الحناء.

جولات بطوطية
جال الفنان الراحل جغرافيات مختلفة من العالم في وقت مبكر بدءا بأوروبا الوسطى، حيث زار العديد من القرى النائية مفتونا بتنوع ثقافاتها وحضاراتها، ثم عرّج على آسيا وأميركا فأفريقيا، الشيء الذي جعله ينشغل بالألم الإنساني الذي بات مرافقا لانشغالاته الفنية.

أقام بلكاهية معارض شخصية عدة في أهم الصالات الفنية وأكثرها شهرة في المغرب، بما فيها الرواق الوطني وغاليري باب الرواح بمدينة الرباط، وموسم أصيلة الثقافي، ومتحف دار بطحاء في فاس، ورواق دولاكروا في طنجة، بالإضافة إلى معارضه الشخصية في العديد من الدول كالأردن وفرنسا والسنغال والجزائر والعراق.

المصدر : الجزيرة