توفيق عابد-عمان

تحت شعار "الشاهد والشهيد"، انطلقت فعاليات مهرجان عشيات طقوس المسرحية الدولية في دورته السابعة بالعاصمة الأردنية مساء الأحد بمشاركة أربع دول عربية هي ليبيا والجزائر والبحرين ومصر إضافة للأردن.

تنظم المهرجان الذي يستمر حتى الجمعة، فرقة طقوس المسرحية بالشراكة مع المركز الثقافي الملكي وبالتعاون مع وزارة الثقافة ونقابة الفنانين الأردنيين.

واختير المخرج صلاح أبو هنود شخصية المهرجان باعتباره من أوائل المنتجين والمخرجين الذين تخصصوا في مجال الدراما، كما تم تكريم الفنان العراقي علي عبد الله والروائي والكاتب الأردني هاشم غرايبة الذي رسم حريته بين القضبان.

لقطة من مسرحية الحلاج الذي مثّل دوره الفنان يوسف كيوان (الجزيرة)

الحلاج.. صوت الاحتجاج
وفي حفل الافتتاح قدمت مسرحية "الحلاج" المقتبسة عن نص للمصري صلاح عبد الصبور وسينوغرافيا وإخراج الدكتور فراس الريموني وتمثيل يوسف كيوان وخليل أبو حلتم والمعتمد المناصير وعمر الضمور وعبد الحليم المحارمة وأيمن سنقرط وعبد الله كيوان وأمان الداية وسعيد ناصيف وعبد الله محمد عابد وموسيقى عبد الحليم أبو حلتم.

وتتحدث المسرحية عن صوت الاحتجاج الموجود في كل زمان، الصوت العالي ضد الفساد والظلم، والمطالبة الدائمة بالحرية للإنسان الذي يجب الالتفاف حوله لقوله كلمة الحق في هذا الزمن الدكتاتوري الجائر والرأي الواحد، حسب تعبير مخرجها فراس الريموني في تصريحه للجزيرة نت الذي قال إن هدفنا هو استعادة تاريخية من الإسلام القديم وظلم الحلاج وإعدامه الذي يشبه ما يجري الآن على ساحتنا العربية.

وأفاد العرض المسرحي على مدى ساعة ونيف من معاني أشعار الحلاج في تعميق رسائله وتسليط الأضواء على فكره ورؤيته "وتقربا إليك /اغفر لهم/ فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي/ لما فعلوا ما فعلوا/ ولو سترت عني ما سترت عنهم لما لقيت ما لقيت/ فلك التقدير فيما تفعل/ ولك التقدير فيما تريد".

وعزز إعدام "الحلاج" بأمر من الخليفة المقتدر العباسي حيث ألقي القبض عليه وعذب وصلب وقطعت أطرافه وأحرقت جثته ونثر رمادها في نهر دجلة، وعلق رأسه بمكان عام في بغداد لتخويف الناس وإرهابهم.

واستدعى العرض تداعيات سياسية واجتماعية من الراهن المحلي والعربي، وبالذات ما يسمى الربيع العربي، في تعامل الأنظمة مع المطالبين بالحرية والعدالة كالمحاكمات الصورية، في إشارة واضحة للأحكام الجائرة بحق أصحاب الرأي الآخر والصحافيين في عواصم عربية.

كما كشفت الرؤية الإخراجية طبيعة السلطة التي تضلل الناس بقراراتها وعلاقاتها وتوجهاتها عبر محاكمة كوميدية ساخرة، وقضاة يتبعون أهواء السلطة جريا وراء مصالحهم وليس تحقيق العدالة وحماية المستضعفين.

وقدمت المسرحية تعريفا مباشرا للوالي "الحاكم" العادل بأنه قبس من نور الله، أما الظالم فهو ستار يحجب الله عن الناس ليكون معيار المفاضلة بين الحكام "من قتله \قتلناه بالكلمات \من صلب الشيخ \زنديق كافر\ قالوا \صيحوا فليقتل\ إننا نحمل دمه في رقبتنا".

ونال يوسف كيوان -الذي نافس على تقديم شخصية الراحل عبد الحليم حافظ سينمائيا وجسد شخصية "الحلاج" غناء وحركة- استحسان الجمهور الذي صفق له مرارا كما أدى الفنان عبد الحليم أبو حلتم دوره باقتدار عزفا وغناء.

عياد: المسرحية تدين الظلم والطغيان ومصادرة حرية الإنسان (الجزيرة)

مسرح إسلامي
ومن وجهة نظر الناقد المسرحي جمال عياد، فإن العرض تأسس على إنشاء الفضاء الطقسي في المسرح حيث ارتدت الرؤية الإخراجية للتاريخ لاستدعاء شخصية الحلاج كذريعة لتحميله رسائل سياسية راهنة مفادها هجاء الطغيان واستبداد السلطة في الوطن العربي.

وقال عياد للجزيرة نت إن أحداث المسرحية تستعيد كيفية صلب "الحلاج" وتقطيع جثته، والشريعة الإسلامية براء من هذا التصرف للكشف عن بشاعة القتل وتعميمها على الراهن، حيث تستخدم الحضارة المتوحشة نفس الأدوات في قتل الروح الإنسانية.

ولفت عياد إلى أن مختلف لوحات المسرحية تنحاز للعلاقة ذات القيمة الجمالية العليا التي تتأسس على رؤية الخالق للمخلوق في كيفية عيشه ومعاشه، وهذا ما طرحه "الحلاج" "كيف أن الله تعالى يحب خلقه"، وبالتالي يريد الحياة الفضلى لمخلوقاته التي تنأى عن وحشية القيم الرأسمالية التي باتت تتوزع عبر رياح العولمة.

ورأى المتحدث ذاته أن مسرحية "الحلاج" جاءت وفق شكل المسرح الإسلامي لسببين: الأول أن المسرح الطقسي ينبثق من أنساق الديانات لذا جاءت الأفكار والتقنيات من الفضاء الفني الإسلامي. أما الثاني فقد جاءت فكرة المسرحية كردة فعل على إفلاس المشاريع الفكرية اليسارية والقومية والرسمية العربية العلمانية، فتم طرح رؤى فطرية عفوية يرغب فيها الإنسان من خلال علاقة الخالق بالمخلوق التي لا يزال الناس يرونها الأسمى والأرقى والأنبل، لأن غاية الله تعالى في البشر هي الرقي بهم وتحقيق سلامتهم العقلية والنفسية والاقتصادية والمعاشية.

وكان مدير المهرجان فراس الريموني قال في حفل الافتتاح إن التركيز في المهرجانات يكون على "القيم الروحية والطقوس الدرامية التي تعيدنا للفطرة وتطهرنا من دنس الحاضر المؤلم".

وشدد الريموني على المطالبة بإعادة الآثار الأردنية والعربية المسروقة والمعروضة في متحفي اللوفر ولندن وغيرها، داعيا من أطلق عليهم المستعمرين لإرجاع تماثيل عين غزال التي تثبت أن عمّان أولى الحضارات عن عمر يناهز العشرة آلاف عام.

أما نقيب الفنانين ساري الأسعد فطالب بدعم المسرحيين والمبدعين الذين ينحتون في صخر الوطن لإعلاء شأنه، وتحدث عن تحرك للنقابات المهنية للمطالبة بالآثار المسروقة، وعن بيان موجه للرئيس الفرنسي ورئيس وزراء بريطانيا بهذا الخصوص.

المصدر : الجزيرة