هيثم حسين

يستعرض الباراغوي خوان مانويل ماركوس في روايته "شتاء غونتر" قرابة نصف قرن من المتغيرات في أكثر من مكان في العالم، خاصة في أميركا الجنوبية، حيث مرحلة الاستقلال والانتقال من العبودية والاستعمار إلى ما يفترض أنها دول وطنية، ثم الوقوع تحت سطوة الشعارات العريضة ونشوء ديكتاتوريات تاجرت بالشعارات البراقة وساهمت في إبقاء الجهل والتخلف، واستنزفت مقدرات البلاد وطاقتها دون أن تحقق أي إنجاز يذكر.

يستعيد ماركوس (المولود بأسنسيون عام 1950) لقطات من تاريخ الهنود في مواجهة السلطات الاستعمارية -المستعمر الأبيض- التي استهدفت وجودهم وشتتت شملهم وبددت قبائلهم، بحيث اندثر بعضها وتاه أفرادها بعد حملات الإبادة والترويع التي طالتهم.

ويشير كذلك إلى عدد من المعتقدات التي لا تزال سائدة بين السكان الأصليين الذين وقعوا ضحية الجشع الاستعماري، بتحويل الغابات والأراضي إلى مواقع صناعية واستثمارها وطرد أهلها منها أو إبقائهم عبيدا فيها.

شبكة الحلفاء
في الرواية التي نشرتها دار الفارابي بترجمة طارق عبد الحميد، يبرز الروائي أنه في المجتمع البدائي كان الفرد يحدد بصلة قرابته وانتمائه إلى مجتمعه المحلي، حيث يسجل بسلسلة النسب وشبكة الحلفاء، قبل نشوء كائنات قوية دعمت ظهور أكثر الابتكارات المميتة: الانقسام الاجتماعي وعدم المساواة. أناس كانوا سباقين للتعبير عن رغبتهم في تغيير العالم، والقول بأن نسبة الشر التي تستوطن وتقود تتفوق على نسبة الخير المفترض، ولذلك لا بد من مواجهة القبح والتصدي له عبر السعي للعودة إلى الماضي الأسطوري.

تتداخل لدى ماركوس الفصول الجسدية والمعنوية مع فصول الطبيعة ودورات العنف والاحتقان، وكذلك مع فصول نشوء الديكتاتوريات وبلوغها درجة فظيعة من الإرهاب ووصولها إلى خريفها، وتهاويها أمام حركة التاريخ ولعنة الظلم

ينتقل بطل الرواية غونتر، الخبير الاقتصادي، من سياسي أميركي مخضرم في السفارة الأميركية برومانيا التي كانت ترزح تحت سلطة الديكتاتورية لعقود إلى رئاسة البنك الدولي. حين إنهاء مهمته دبلوماسيا ينقذ كاتبا تحدى قمع الأجهزة الأمنية ولجأ إليه في السفارة فلم يجد بدا من إنقاذه. ثم تمر عقود على تلك الحادثة ليصل إلى مسمعه اعتقال ابنة أخته في بلادها، وبالتهمة نفسها، وهي شاعرة تتحدى قمع السلطات وتطالب بالحرية والتغيير.

الشاعرة السجينة تتشبث بحبها لوطنها سبيلا إلى الخلاص من ربقة السجن ومأساة الاعتقال، وتستعيد ما حفظته من أشعار، وتنظم قصائدها في وحشة السجن رافضة أي توسط من أحد لإنقاذها، سواء من أقاربها أو غيرهم، لأنها تريد أن تكون متساوية مع غيرها، إذ تنادي بالمساواة وتحاول تجسيدها قولا وفعلا.

غونتر الذي يكون في خريف عمره يحاول أن يستمر على فعاليته لبلده وأهله، لا يستطيع التخلي عن الإرث العائلي، ويجد نفسه مرتبطا رغما عنه بأهل وأقارب، تطارده لعنة تشابه الأسماء، فيسعى بكل جهده لإنقاذ ابنة أخته، وحين يستدل إلى طريقة لذلك، تستجد بعض الأمور التي تمنع إتمام مساعيه. ينتحر الجنرال الذي يعده بتحريرها، وذلك بعد أن يفجع بخبر قتلها والتمثيل بجسدها، مع أنه كان موعودا بإطلاق سراحها. شعر بالخيانة ولم يستطع تحمل الصدمة، فانتحر.

هوية مركبة
تتداخل لدى ماركوس الفصول الجسدية والمعنوية مع فصول الطبيعة ودورات العنف والاحتقان، وكذلك مع فصول نشوء الديكتاتوريات وبلوغها درجة فظيعة من الإرهاب ووصولها إلى خريفها، وتهاويها أمام حركة التاريخ ولعنة الظلم.

يشتغل ماركوس على مسألة الهوية المركبة والمعقدة، تلك التي تنهض على مقومات الانتماء، بحيث إن اللغة تلعب دورا في مسألة تمتين الانتماء وتعزيزه، وقد يكون اللسان سيفا ذا حدين يستعمله المرء حين الدفاع عن قضيته وحين التهجم على غيره. ويصف عددا من الشخصيات التي تنحدر من أعراق مزدوجة "إليزا، سوليداد، غونتر"، وتشكل مسألة العرق المزدوج، والبشرة المزدوجة، واللغة المزدوجة، نقاط قوة في بلورة الهوية الوطنية التي يصبو إليها.

ماركوس واجه السجن والتعذيب والنفي وعانى الإقصاء القسري مدة 12 عاما، ثم عاد إلى بلاده عند انتهاء الديكتاتورية في العام 1989 بعد أن حصل شهادات عليا وأسس جامعة مرموقة في البلد، وترجمت رواياته إلى أكثر من 20 لغة

يُظهر الكاتب كيف أن مواقف متناقضة تصدر عن أناس ينتمون إلى معسكرات متناحرة في البلد نفسه، أحدهم يربط الوطن بهذه الجهة أو تلك وكأن الوطن مادة قابلة للمقايضة، أو أن تكون كأي ملحق سياسي أو اقتصادي. يرى البعض أن الحرب سارت برايتها اللعينة في كل مكان، والتركيبات الخفية والاقتراحات الدبلوماسية أعطت الأساس لتحالف مميت للمصالح المثيرة للاشمئزاز.

شخصيات الرواية تنتقل من المراقبة إلى المبادرة والفعل، فيرونيكا تقرر الكتابة. غونتر وإليزا يقرران الرجوع إلى بلادهما رغم المشقات والعقبات، يفضلان تمضية الأيام المتبقية مع أهلهما، وتكون العودة المفترضة دليلا إلى إعادة التجمع والإعمار.

يفضل غونتر العودة، ويقول في تأبين الجنرال المنتحر إنه يعود ليستقر في باراغواي عساه يفيد شعبه، ويذكر أنه لم يهتم بالسياسة ولم يكن بمقدوره فهم السياسيين الذي يضحون بعمرهم كله في سبيل الوصول إلى كرسي الرئاسة بحثا عن الامتيازات. كما يظن أن بإمكان المرء أن يشعر بالاكتفاء لكونه مواطنا فردا بين أربعمائة مليون من المواطنين في أميركا اللاتينية، وذلك أكثر منه رئيسا لإحدى الجمهوريات الصغيرة الهشة.

فنيا، يقسم ماركوس روايته إلى ثلاثة أجزاء، وكل جزء يحوي عدة فصول. يوكل السرد إلى راوٍ عليم، لكن هناك تداخل بين العوالم الداخلية للراوي الذي تبدو سلطته محدودة، لأن هناك أصواتا تخترق هدوء السرد بعنف وشاعرية يميزها بخط مائل تعبر عن الصوت الذي يعكس صرخات استغاثة السجناء، على لسان الشاعرة السجينة، وهي الطالبة الشابة التي تعكس تحدي الجيل الجديد لعنف الاستبداد وقهره، وتصمد في وجه جبروته، وتضحي في سبيل إيمانها بوطن ينشد الحرية. ويتناوب إيقاع خارجي رتيب مع إيقاع داخلي صاخب، تبعا للسرد وحالة الشخصية.

جدير بالذكر أن ماركوس واجه السجن والتعذيب والنفي، وعانى الإقصاء القسري مدة 12 عاما، ثم عاد إلى بلاده عند انتهاء الديكتاتورية في العام 1989 بعد أن حصل شهادات عليا وأسس جامعة مرموقة في البلد. وترجمت رواياته إلى أكثر من 20 لغة نُشرت في أميركا اللاتينية وأوروبا وآسيا.

المصدر : الجزيرة