إبراهيم صموئيل*

ملفات كثيرة تُطرح في الصحف والمجلات، في المنتديات والملتقيات، في معارض الكتب ومؤتمرات روابط واتحادات الكتّاب، تسعى كلّها للجواب على السؤال: هل ينحسر عصر القراءة في عالمنا العربي؟ وإذا كان ذلك كذلك، فلماذا؟ وإذا عرفنا الأسباب، فهل من سُبل نسلكها لمعالجة هذا "المريض العربي"؟

بطبيعة الحال، لا تبقى الأسئلة محصورة بين قوسي الإقبال على القراءة والإدبار عنها، وإنما تفيض وتمتد إلى أحوال بلداننا، وطبيعة عصرنا، ومفاهيم الأجيال الجديدة، واختلاف مراتب الأولويّات لدى الفرد والجماعة، وإلى آخر ما يصبّ في تكريس هذه الظاهرة وينبع منها.

ولتستأنس بعض الآراء المشاركة في البحث، سواء إقرارا بالظاهرة أم نفيا لها، نجدها تذهب إلى حال القراءة الراهنة في أوروبا ومختلف البلدان الأجنبية، فيرى جزء من تلك الآراء أن خفوت الاهتمام بالقراءة وتراجع الإقبال على الكتاب حال منتشرة في مختلف بلدان العالم، بحيث لو سألنا كتّابهم وأصحاب المكتبات لوجدنا الحال نفسها، وإن تكن على نحو أقل نسبيا مما هي لدينا.

فيما يذهب الجزء الآخر إلى أن المريض عربي بامتياز، لأنّ زائر الدول الأوروبية والمتابع لمشهدها الثقافي يمكن له أن يشاهد كيف ما زالت عادات القراءة سارية في الحدائق والمتنزهات، في المترو والباصات والقطارات، وفي صالات الانتظار المختلفة، فضلا عما تفيد به أعداد النسخ الصادرة من الكتب المختلفة.

انحسار عربي
وسواء كانت حال القراءة في تراجع وانحسار داخل المجتمعات العربية فحسب، أم كانت حالا عامّة لدى شعوب العالم في عصرنا الراهن، وأيا تكن نسبة شدة التراجع ودرجة الانحسار بين الدول المتقدمة والأخرى المتخلفة، فإن جهوداً عربية كبيرة بُذلت للوقوف على الظاهرة، ولمعرفة الأسباب المؤدية إلى تكوّنها، ولمحاولة تجاوزها.

ليس غريبا لدى الناس عامة ما بات معروفا ومتداولا في الأوساط الثقافية أن الكتّاب أنفسهم لم يعد بعضُهم يقرؤون نتاج بعضِهم الآخر، ولا يحرص البعض على حضور أمسية أو نشاط ثقافي للبعض الآخر

قدّمت العديد من وسائل الإعلام المتنوعة استطلاعات للرأي شملت الكتّاب والقراء، وأصحاب المكتبات ودور النشر ومراكز التوزيع، وتباينت الآراء بطبيعة الحال، فأُدرجت آثار ثورة الاتصالات الحديثة على رأس القائمة، ووضع جذب جهاز التلفزيون في الصدارة، وأُفردت للسمة الاستهلاكية في عصرنا المساحة الأوسع كخلفية عامة، وأُلحقت المداخيل الشحيحة وارتفاع الأسعار والحاجات المستجدّة.. وغير ذلك من أسباب كثيرة مؤدية إلى تكوّن الظاهرة.

وبهدف معالجة تراجع القراءة تمّ العمل على نشر طبعات شعبية بأسعار زهيدة جداً وعلى نطاق توزيع واسع، كما أرفقت الكثير من المجلات والصحف أعدادها الصادرة بنسخ مجانية من أعمال كبار الكتّاب، وجرى تنشيط المراكز الثقافية في القرى والأرياف، فضلاً عن توفّر نسخ إلكترونية من مواقع الإنترنت العديدة لتصفّحها عبر الأجهزة الذكية.

لكنّ الظاهرة بقيت على ما هي عليه! بقي تراجع وانحسار واضمحلال عادة القراءة، لدى الأغلبية، في تزايد مستمر عاماً بعد عام! لا التشخيص أجدى في وقف تضخّم الظاهرة وانتشارها، ولا معرفة أسبابها -أو تقديرها على الأصح- أفادت في تجاوز المحنة، ولا الإجراءات المتّخذة أغرت الناس بالإقبال على المطالعة.

ولعله ليس غريباً لدى الناس بعامة، إذ مما بات معروفا ومتداولا في الأوساط الثقافيّة أن الكتّاب أنفسهم لم يعد بعضُهم يقرؤون نتاجَ بعضِهم الآخر، ولا يحرص البعض على حضور أمسيةٍ أو نشاط ثقافيّ للبعض الآخر، رغم انتفاء أيّ خصامٍ بينهم أو ما شابه ذلك!

وجرّاء الجزر المخيف لواقع القراءة بعامّة، قُرعت نواقيس الخطر في أكثر من منبر إعلامي وثقافي واجتماعي عربي، ونبّه العديدُ من الكتّاب والمفكرين والناشطين في غير حقل وميدان إلى أن حال القراءة -وبعد مرور ما يزيد على عقد على الألفية الثالثة- في تراجع، بل دخلت في طور التدهور السريع.

القارئ واليأس
ورغم ذلك، فإني لأحسب أنه إذا ما قُيّض للعوامل والمكوّنات الداخلية لظاهرة تراجع القراءة أن تستمر في حياتنا وتستفحل، فلا أحد بإمكانه، ولا جهة بمقدورها، وقف الظاهرة وردعها، أو ردّها على أعقابها خاسرة.

ذلك لأن القراءة هي الخيار الحرّ لصاحبها، يُقبل عليها أو يُدبر عنها، لأسبابه، ولحاجته الروحيّة والمعرفيّة، ولمزاجه، ولقابليته، ولرؤيته خارج تشخيص الدارسين وإجماع المشاركين في إحصاءٍ أو استطلاع للرأي!

ما الذي يمكن للمؤسسات والهيئات الثقافية أن تفعله إزاء شخص كانت القراءة أقوى رغباته وأثبت عاداته وأمتع أوقاته، ثم خاب واستبدّ به الحزن وداخله اليأس؟

والقراءة ليست خارج سمات المرحلة أو العصر الذي نعيشه. ليست أرضاً دائمة الاخضرار بصرف النظر عن حال التربة وأحوال المناخ، وإنما هي في الصلب من ذلك، إضافة إلى ارتباطها الوثيق -تقدّما أو تراجعا- بالرؤية الذهنية للقارئ وبمشاعره وبأحاسيسه النفسية.

إذ ما الذي يمكن للمؤسسات والهيئات الثقافية أن تفعله إزاء شخص كانت القراءة أقوى رغباته وأثبت عاداته وأمتع أوقاته، ثم خاب واستبدّ به الحزن وداخله اليأس؟ ما الذي نفعله إذا ما أُصيبت روحه بجرثومة اليأس من الأوضاع العامة المحيطة به، بدءاً من رغيف الخبز وانتهاء بمصير بلده وشعبه؟!

ما الذي يمكن أن تقدّمه كل التيسيرات والتسهيلات الإجرائية والمادية لمن غدا شعورهم باللاجدوى أضخم ما يحتل عوالمهم الداخلية، وأكثر ما يتردد في مفرداتهم إزاء الأوضاع السياسية والاجتماعية، وبالتالي الثقافية؟!

ألا يمكن لسبب من هذا النوع -مصدره التراجع العربي الماضي قدما في تراجعه- أن يخلخل ميزان الروح، ويفتّ في تماسكها وألقها، فيعاف المصاب به الكثير مما كان يشتغل عليه، ويأمل به، ويرنو إليه، ويرجو منه، وبخاصة القراءة... تلك التي إذ تُرهف النفس وتشحذ الروح وتوسّع الرؤية، فإنها، إزاء حال الواقع، لا تخلّف في نفس صاحبها سوى الأسى عليه والإحباط منه، كما لو كان المزيد من الوعي مزيداً من الشقاء لصاحبه!

_______

* كاتب وقاص سوري

المصدر : الجزيرة