إبراهيم الحجري

تتميز الكتابة الروائية لدى اللبناني رشيد الضعيف بطابعها السجالي للقضايا المعاصرة الساخنة التي تقض مضجع الإنسان العربي عموما، واللبناني على الخصوص، جاعلا من ظواهر إشكالية موضوعات للسرد، ولا سيما أن حلولها ترتبط بشكل معقد بالفهم الديني والعائق الوجودي، والمتراكم الثقافي المتعدد المشارب.

لذلك تبدو شخصيات رواياته، ومنها رواية "سيكيريدا"، خارج دائرة الانتماء بفعل عوارض خارجة عن الإرادة، تمتد لتجد نفسها خارج نطاق التحكم، لقد كتب عليها السرد حياة جحيمية، ومصائر قاتمة، وكأنما هي صور صغرى لكائنات "سيزيفية" وجدت أصلا لتؤدي ثمن خطايا لم ترتكبها، بل ولم تعرفها قط.

لم تبتعد رواية "هرة سيكيريدا" عن هذا الخط الفكري، لأن كل رواية بالنسبة لرشيد الضعيف هي لملمة لشظايا وبقايا إنسان، وتشريح لواقع ما، ومعالجة سردية لظاهرة إنسانية معقدة، تتداخل فيها المواقف والعواطف والمصائر والهواجس والإكراهات، على أن تتميز وسط هذا الكون العاصف من التداخلات ظاهرة إنسانية يقترحها المجتمع اللبناني أو العربي بإلحاح، وسط موجة من الرفض والتهميش والإقصاء، لتجد الضحية نفسها بين نارين: نار الإحساس بالنبذ، ثم نار تحمل العقاب.

شخصيات منبوذة
يوظف الضعيف في محكيّه الروائي عالما من الشخصيات الملعونة التي تكتب عليها مسارات قاسية أكبر منها، وتجد نفسها ترتكب الحماقة تلو الحماقة دون تخطيط مسبق، وكل حماقة تكلف عمرا من النكسات والعناء والعذاب.

وكل هذه الخطايا التي توضع الشخصيات بفعلها في ورطة مستغلقة تصدر عن سلوك لا إرادي، وكأنها اصطدامات مفاجئة أو حوادث عارضة، لكنها هنا خطايا لها تبعات ومنزلقات محفوفة بالخوف والضيم والإحساس بالذنب.

فـ"سيكيريدا" الفتاة الخادمة القادمة إلى لبنان من إثيوبيا بعد قضائها مدة باليمن عن طريق وسطاء مختصين، قطعت حبل علاقتها بزوجها العنيف في بلدها، وهربت باحثة عن هواء أنقى، لكن شهوات الجسد التي استعرت بداخلها، عصفت بكل ما تتحلى به من أدب وخصال رفيعة ووفاء وإخلاص، لتوقعها في خطيئة تعد جرما كبيرا في ثقافة البلد الذي تشتغل فيه، المختلفة عن ثقافة بلدها.

يوظف الضعيف في محكيّه الروائي عالما من الشخصيات الملعونة التي تكتب عليها مسارات قاسية أكبر منها، وتجد نفسها ترتكب الحماقة تلو الحماقة دون تخطيط مسبق، وكل حماقة تكلف عمرا من النكسات والعناء والعذاب

لقد قادها الانسياق خلف رغبات الجسد للحظات إلى حبل سري عصف بموقعها داخل البلد، وعرضها لنظرات السخرية والريبة والتحقير في مجتمع محافظ. لكن شاءت أقدار النص، بعد أن تم الاتفاق على تهجير الخادمة إلى بلدها وسلبها من كل حقوقها بعد افتضاح حملها غير الشرعي من أب غير معروف، أن تقذف الرحمة في قلب مشغلتها، فعطفت عليها، وساعدتها على حل المشكل، واحتضان الطفل، بعد تدبير فتوى بمساعدة أحد الشيوخ عن طريق شراء عقد زواج مؤقت ومشروط من الشخصية الطريفة "أبو إبراهيم".

وبميلاد الطفل، ستتسع دائرة الإشكالات، سيعود شبح زوج سيكيريدا في شخص الابن الذي سيعرّض أمه للتعذيب إثر إحساسه بمعاشرتها لرجال أغراب، وتحميله إياها ذنب الوضعية التي يعيشها داخل المجتمع بدون أب شرعي.

يجد الطفل المتبنى "رضوان" نفسه في مجتمع لا يعترف به، مجتمع يسخر منه ويعده نقمة عليه لأنه ولد غير شرعي. ومع أن الأم الثانية (أديبة) لم تقصر في رعايته ومنحه الحنان اللازم كي ينمو في توازن نفسي واجتماعي، فإن سخرية أصدقائه بالمدرسة ضغطت على نفسيته، مما جعله يتخلف عن دروسه، لينقطع عن الدراسة في نهاية المطاف.

غير أن عمله لدى أمل التلميذة المقعدة، يوصلها من البيت إلى المدرسة ويأخذها في فسحات في المدينة، سيجره إلى الوقوع في علاقة غير شرعية مع أمل أدت إلى حبلها منه.

واقع مأزوم
تكمن مشكلة "أديبة" في كونها تعيش أرملة بعيدة عن أهلها وأبنائها المهاجرين، رغم تسلحها بالإيمان القوي، ومحبة الآخرين، وتجنب الشرور والآفات.

وقد جرها التعاطف الإنساني مع خادمتها إلى الوقوع في ورطة التزوير وتلفيق زواج كاذب لحمايتها وحماية طفلها غير الشرعي، ثم السقوط في زلة الكذب والتستر على مقتل بعد سقوط شباك الحمام بحركة لا واعية من رضوان، مستندة إلى اجتهادات شرعية تتحايل على النص الديني.

تصور الرواية المجتمع اللبناني إبان الحرب الأهلية، حيث يبحث الناس عن أفق خارج حدود الوطن، هربا من موت مفاجئ أو اختطاف قد يكلف الحياة أو يتطلب ثروة غير متوفرة، في أوج الصراع الديني والتطاحن السياسي

أما "أمل" الفتاة الجميلة المقعدة التي كان ذنبها الوحيد أنها ولدت مشلولة، فتجد نفسها محاصرة بالرغبة الجامحة التي دفعت بسيكيريدا إلى الوقوع في المحظور، والسقوط في علاقات حميمية مع خادمها رضوان، أثمرت حبلا آخر غير شرعي، حتى وهي غير مقتنعة بفكرة الزواج منه. ليتعمق، بذلك جرحها، خاصة بعد اختفاء رضوان، واغتيال أبو إبراهيم الذي سيخلصها من الورطة.

وتصور الرواية المجتمع اللبناني إبان الحرب الأهلية، حيث تعم فوضى الاغتيالات والاختطافات الأحياء والأزقة والدروب، وحيث يبحث الناس عن أفق خارج حدود الوطن، هربا من موت مفاجئ أو اختطاف قد يكلف الحياة أو يتطلب ثروة غير متوفرة، في أوج الصراع الديني والتطاحن السياسي سنة 1975م المشار إليها في النص الروائي.

يشرح الروائي ما يحدث للفرد من تمزقات في ظل هذا المجتمع التعددي الذي تأكله الصراعات والحروب، وتصادر فيه الخيارات الفردية والاتجاهات الشخصية والقناعات الفكرية والحياتية بفعل ضغط الأيديولوجيات المتناحرة التي لا تعترف بالاختلاف والتعدد الذي يعد سمة أصيلة في المجتمع اللبناني، فيغدو كل شيء متاحا مع ازدياد الضغط على الكائن الإنساني، بما في ذلك الهوية الأبوية التي تصبح بضاعة لها أسواق ووسطاء وأهل فتوى.. وحتى الروح الغالية أضحت تعلة لطلب المال والاستثمار والمزايدة في مجتمع ما عاد الهدوء يعرف طريقا إليه.

وفي غمرة هذا الضيق الذي يخنق الناس، فضل بعضهم الهجرة إلى بلدان أفريقيا السمراء، وبعضهم طاله الاختطاف، وبعضهم تم الإجهاز عليه بطرق بشعة وبدون أسباب معروفة، عبر انفجارات عشوائية في الشوارع والأسواق.

وما تبقى راح يجرجر جراحه على مضض، في ظل الخوف الدائم، والوحدة القاتلة، والهواجس الكابوسية، بروح محطمة، وأحلام مجهضة، ومعنويات منحطة.

المصدر : الجزيرة