عبد الغني المقرمي-صنعاء

تحتل الأغنية الصنعانية مكان الصدارة في قائمة الغناء اليمني لما تتميز به من رفعة جمالية وعراقة فنية أهّلتها لأن تكون الأقدم وجودا بين مثيلاتها من الأغاني اليمنية، والأكثر انتشارا ليس على المستوى اليمني، ولكن على مستوى الجزيرة العربية.

ويكفي الأغنية الصنعانية مكانة أنها كانت موضوع أول رسالة أكاديمية في اليمن والخليج، عبر الأطروحة التي نال بها محمد عبده غانم شهادة الدكتوراه من جامعة لندن، والتي صدرت فيما بعد في كتاب بعنوان "شعر الغناء الصنعاني".

ومع أن المصادر التاريخية التي أرّخت لهذا الفن لم تحدد تاريخا محددا لظهورها، فإنها أجمعت على أن قرونا توالت عليها وأعملتْ فيها تهذيبا وتشذيبا حتى وصلت إلى مستوى عال من الجودة الفنية والتطريب.

غانم: الأغنية الصنعانية ولدت في مجالس مغلقة بسبب الأعراف (الجزيرة)

خصائص فنية
ويجمل الفنان الدكتور نزار غانم الخصائص الفنية للأغنية الصنعانية مبتدئا بمعمارها الشعري الذي ينقسم إلى ثلاثة قوالب، موشّحات ومبيّتات وقصائد عمودية، وهذا التنوع البنائي انعكس تنوعا في الإيقاعات التي تتمحور حول فقرات ثلاث مختلفة يتجه زمنها الإيقاعي من السريع إلى الأسرع.

ويشير غانم -في حديثه للجزيرة نت- إلى أنه رغم حضور كل المقامات الموسيقية تقريبا في فن الغناء الصنعاني فإن كل أغنية تكتفي بمقامة واحدة قد تتعدد إيقاعاتها، وهي بذلك تكتسب روحا شرقية خالصة، كما أن الآلات الموسيقية المصاحبة لها ظلت لقرون من الزمن محصورة في ثلاث آلات مصنوعة محليا، وهي "القنبوس" وهو آلة ذات أوتار أربعة، وتشبه العود إلى حد كبير، و"الصحن النحاسي" و"المرواس"، وهذا الأخير عبارة عن طبل صغير أجوف، وهذه الآلات هي التي أعطتها مزيدا من التميز والتفرد.

ويعتقد غانم أن الأغنية الصنعانية ولدت في مجالس صنعاء، ومن هنا جاءت التسمية، وهي مجالس مغلقة بسبب الأعراف الاجتماعية والسياسية التي كانت تنظر إلى الغناء بنوع من الريبة، مما جعلها هادئة وبعيدة عن الصخب ولا يصاحبها التصفيق الذي يصاحب معظم ألوان الغناء اليمني، وتتجسَّد فيها روح الأرستقراطية الفنية بشكل واضح بانحصار الغناء على المطرب فقط، واقتصار دور الجمهور على التلقي وحسب، على أنه يمكن في نطاق ضيق مشاركتها برقصات هادئة وخفيفة.

ويشير غانم إلى عدد من مشايخ الغناء الصنعاني مثل إبراهيم الماس، وصالح العنتري، وقاسم الأخفش، وباشراحيل، وأحمد عبيد قعطبي. أما شعراء هذا النوع من الفن فهم كثيرون، مثل أبو بكر المزاح، وجابر رزق، وعبد الرحمن الآنسي، ومحمد بن شرف الدين، ونصوص هؤلاء يطلق عليها الشعر "الحُميني" الذي هو فصيح مع بعض التجاوزات النحوية والصرفية، كما استعارت نصوصا من ديوان الشعر العربي لابن الفارض والبهاء زهير وعلي بن النحاس، على أن هناك نصوصا لشعراء مجهولين.

وينفي غانم أن تكون الأغنية الصنعانية قد فقدت شيئا من خصوصيتها بانتقالها إلى عدن وحضرموت وبقية المحافظات اليمنية، مؤكدا أن انتشارها الواسع حقق نوعا من توحيد الهوية الفنية، كما أن انتقالها إلى عدن في النصف الأول من القرن الماضي أتاح لها التوثيق السماعي عبر الأسطوانات التي حفظتها من الضياع.

الزيادي: الأغنية الصنعانية حاضرة في مختلف المناسبات الاجتماعية والدينية (الجزيرة)

حضور دائم
وعن واقع الأغنية الصنعانية، يرى غانم أن التجديد الذي دخل عليها أكسبها بعدا فنيا جديدا، فهو قد وسّع من آلاتها الموسيقية فأصبحت تؤدى بفرق تصل إلى أربعين عازفا، مما يعني تقديمها للجمهور العربي بشكل أفضل، كما أنه كسر أرستقراطيتها بتعزيزها بفريق غنائي (كورس) مصاحب للمطرب، مما جعلها أكثر جماهيرية.

ويعدد غانم بعض الأسماء الفنية التي نجحت في تطوير الأغنية الصنعانية، ومنهم الفنان السعودي محمد عبده، والفنان اليمني المهاجر أبو بكر سالم بلفقيه، والفنان عبد الرحمن الحداد، والفنان فؤاد الكبسي، كما أن كثيرين من فناني الخليج شدوا بأغان صنعانية وسجلوا نسبا متفاوتة من النجاحات والإخفاقات.

ويرى الباحث في الموروث الشعبي حيدر الزيادي -في حديثه للجزيرة نت- أن الأغنية الصنعانية تتمتع بحضور دائم في المشهد الفني اليمني، فقد أتاحت لها أغراضها الشعرية المتعددة إمكانية الحضور في مختلف المناسبات الاجتماعية والدينية من أفراح وأتراح، وأهم هذه الأغراض الغزل، وشعر التهنئة، والمديح النبوي، ووصف الطبيعة، والوعظ، وشعر الحكمة.

كما أن مرونة ألحانها مثّل مُتاحا آخر، وجعلها قابلة للأداء بما يتوفر من آلات موسيقية قد تنحصر في بعض الحالات بالآلات الإيقاعية فقط.

المصدر : الجزيرة