أمير تاج السر*

أذكر حين قررت أن أبدأ كتابة الرواية منذ أكثر من عشرين عاما بعد أن كان الشعر مسيطرا على إنتاجي الإبداعي، أنني جلست في غرفتي وقد فرشت أمامي الورق الأبيض المصقول وعدة أقلام بألوان مختلفة، وبدأت أفكر في قصة ربما أستطيع كتابتها، وتحقق شيئا من طموحي.

لم تكن لدي خبرة في شيء ولا كنت أعرف كيف تكتب الروايات، وتلك الأعمال التي قرأتها في ذلك الحين كانت كلها أو معظمها أعمالا كلاسيكية من الأدب الروسي والفرنسي والإنجليزي، من تلك التي قرأها كل الناس في ذلك الوقت، إضافة إلى بعض أعمال الكتاب العرب من أمثال نجيب  محفوظ ويوسف إدريس وعبد الرحمن منيف وحنا مينه، وغيرهم من نجوم تلك الفترة.

وأعترف أنني كنت أستمتع بقراءة الشعر وكتابته، ولم أكن أبحث عن شيء معين في الرواية، أي لا أهتم بفنياتها بقدر اهتمامي بالحصول على المتعة، لذلك أزعم أنني لم أتعلم من قراءاتي السردية إلا بعد أن دخلت لحم السرد، وبعد أن قضمت منه شيئا، وأصبح من الضروري أن أتعلم كيف أكتب وإلا لن ينجح مشروعي على الإطلاق.

أقول بأنني جلست أفكر، وكان أول ما خطر لي في تلك اللحظة شكل البيت الذي ولدت فيه في قرية كرمكول في شمال السودان، شكل القرية نفسها بنيلها الذي يعانق الصحراء، وبيوتها الطينية، وشوارعها الترابية المليئة بالحفر.

وحي الذكريات
تذكرت شخصيات كثيرة عرفتها أثناء زياراتي للبلدة في موسم الصيف، شخصيات بعضها سوي وبعضها معتل جسديا أو عقليا.. تذكرت خبرات المراهقة، وكيف يمكن لمراهق قادم من المدينة أن يتحول إلى نجم وسط بؤس الريف، تمجده الفتيات المسكينات في أمسيات اليباس العاطفي.. تذكرت أشياء كثيرة من نشأتي في مدينة بورتسودان، وبدأت أكتب رواية سميتها بعد ذلك: كرمكول، وكانت مجرد تمهيد إما سيشجعني على المضي في السكة، وإما يشدني إلى خارجها.

المبدع حين يبدأ في نبش أدواته وتحسس السكة التي سيسير عليها، في الغالب لن يبدأ بالكتابة عن هبوط الإنسان على سطح القمر، أو احتمال وجود حياة بشرية تحت قاع البحر، المبدع في النهاية يكتب خبرته الشخصية

إذن أعود إلى موضوعي، وهو أن المبدع حين يبدأ في نبش أدواته وتحسس السكة التي سيسير عليها، في الغالب لن يبدأ بالكتابة عن هبوط الإنسان على سطح القمر، أو احتمال وجود حياة بشرية تحت قاع البحر، لن يتخيل تاريخا فوضويا أو عاقلا ليكتبه، ولن يسعى للأشياء البعيدة، محاولا أن يقترب منها.

المبدع في النهاية يكتب خبرته الشخصية، خبرته في بيته حين كان أبوه يعنفه وربما يضربه لأسباب لا تستدعي الضرب، حين كانت أمه تقلق لغيابه، وتبكي إن أصابه مكروه، وحين كانت الحياة الأولى التي عاشها جديرة بأن تحكى للآخرين في نظره، على الرغم من أنها قد تكون غير ذلك.

الأدب في معظم تجلياته، خاصة الأدب الواقعي، يركن إلى تلك الخبرة الشخصية الأولى، ولو طالعنا عددا من الأعمال المهمة التي غيرت نهج الكتابة أو أحدثت بلبلة في التذوق العام، مثل أعمال ماركيز ويوسا الأولى، ومثل رواية عاموس عوز: قصة عن الحب والظلام، وأعمال خالد حسيني عن حكم طالبان في أفغانستان، لوجدنا احتراما مضاعفا للسيرة في تلك الأعمال، وأن بعضها وإن مزج بالخيال، لكنه ظل في النهاية وفيا للخبرة الأولى، يحييها ويبجلها في معظم الأعمال.

صحيح أن المبدع في كتابته المتكئة على السيرة لا يتعمد ذلك مثلما ذكرت عن نفسي، فهو يكتب بآلية مطلقة، وبإيحاء غريب هو الذي يقوده إلى الركن الذي ترقد فيه صور العائلة، المدينة التي كانت فيها شوارع محفورة في الذاكرة، وأي مدرس من مدرسي مرحلته الابتدائية قرصه على خده، أو عاقبه بالجلد أمام التلاميذ.

كرمكول
نعم، أنا أثق في أن تعمّد الكتابة بعيدا عن السيرة الشخصية في بداية عهد المبدع بالكتابة قد ينتج عنه شيء، ولكن ليس بالقيمة الواعية أو الصادقة للكتابة التي تمس الخبرة الأولى.

ولهذا أزعم أن روايتي تلك التي اسمها كرمكول قد تكون مكثفة أكثر من اللازم، وتكون مليئة بالعيوب التقنية، أسوة بغيرها من الأعمال الأولى، لكنها في النهاية صادقة، ما زلت أحس بصدقها، أتذكر شخوصها الذين رحلوا، واحدا واحدا، كلما عدت إليها وطالعتها.

تطور الكاتب يمنحه خيالا أكبر، ويمنحه امتياز أن يؤلف الأسطورة ويبني تاريخا موازيا، وبالتالي يبتعد بخطوات واسعة عن بيته القديم وحارته التي لعب فيها الكرة وتعارك فيها مع زملائه الأطفال

وما انطبق على كرمكول الصغيرة، المسكينة، يمكن تطبيقه على أعمال أعظم وأرفع شأنا لكتاب آخرين.

أعتقد أن رواية "قصة عن الحب والظلام" للإسرائيلي عاموس عوز صادقة رغم عنصريتها البذيئة، وتحميلها الفلسطينيين وزر الحروب والقتل والإرهاب، لا لشيء سوى أنهم أصحاب حق، والقلم العنصري يراهم كذلك. إنها تاريخ غير مغسول وغير منقى من الشوائب، ولذلك كان وقعها مدهشا.

أعمال خالد حسيني أيضا مكتوبة بنفس مظهر أحداثها وشخوصها الذي ظهرت به على الواقع، ولذلك هي صادقة، ولو قسنا أعمالا أخرى تتحدث في نفس المواضيع لتذوقنا صدقها الذي يقفز إلى الذهن مباشرة عند معانقتها.

تطور الكاتب يمنحه خيالا أكبر، ويمنحه امتياز أن يؤلف الأسطورة ويبني تاريخا موازيا، وبالتالي يبتعد بخطوات واسعة عن بيته القديم وحارته التي لعب فيها الكرة وتعارك فيها مع زملائه الأطفال.

هذا سيجعله يكتب أدبا ناضجا بالطبع، لكنه يختلف تماما عن أدب الخبرة الأولى، ولهذا يداهمه الإحساس بالخسارة كلما عاد إلى أحد نصوصه القديمة.

_______

* كاتب وروائي سوداني

المصدر : الجزيرة