إبراهيم الحجري-الدار البيضاء

يظلّ الكاتبُ المغربيّ محمد شكري أسطورة طنجة كائنا مشاكسا حتى بعد رحيله، فبعد أن أقامت رواياته الذائعة الصيت "الخبز الحافي"، "زمن الأخطاء"، "السوق الداخلي"، "الخيمة" الدنيا وشغلت الناس إبان حياته، لتغمره بشهرة عالمية، ها هو يعود من غيابات الموت روحا مغامرة في منجزات شتى لنقاد وروائيين ومسرحيين وسينمائيين أبوا إلاّ أن يستعيدُوا حياة صاحب "الشحرور الأبيض"، لتأمل بعض تفاصيلها الملغزة، وخلخلة بعض الغموض في علاقات هذا الكاتب الاستثنائي مع ذاته، ومع العالم المحيط به.

ومن الكتاب الذين ظلوا على ارتباط وثيق بهذه الشخصية الخلاقة، الكاتب المسرحي الزبير بن بوشتى، الذي رافق شكري في كثير من مراحل حياته، واشترك معه لحظات الكتابة وطقوسها الآسرة، وأسرتْه شخصيته المرحة والجذابة والمتمردة، فدوّن حولها مجموعة من الآثار الكتابية، أهمها مسرحية "رجل الخبز الحافي" التي استلهمت حياة محمد شكري في بعض تفاصيلها الدقيقة.

وإذا كان بن بوشتى قد تناول علاقة شكري بالآخر والعالم في بعض إنتاجاته الأخرى، فإنه في هذه المسرحية تناول البعد الشخصي في علاقة شكري بذاته من خلال النبش في ذاكرته المغيبة التي لم يسبق تناولها من قبل في الكتابات التي تناولت حياة الكاتب محمد شكري.

بن بوشتى كتب المسرحية مستعينا بعلاقته المتميزة مع محمد شكري (الجزيرة)

شكري موضوعا
لم يختر كاتب هذه المسرحية حياة الكاتب المغربي الشهير محمد شكري من باب العبث، بل لوعي منه بخصوصية هذه الشخصية الفذة وقدرتها الكبيرة على التأثير، سواء من خلال حالة التمرد التي ميزتها، أو من حيث الأسلوب الذي ذاعت به كتابات شكري عبر العالم.

ويؤكد كاتب العرض الزبير بن بوشتى في معرض حديثه عن مضمون هذه المسرحية أن استعادة حياة شكري في هذا العمل المسرحي تحدث في "فضاء مقبرة بلا انتماء ديني، تفاجأت حارسة المقبرة بوجود جثة غريبة بوجهين، تنتصب كتمثال بين المقابر الرخامية. "القيّمة" أو حارسة المقبرة تُدعى ميرودة، وهي تختزل ملامح الأم والعشيقة، أما الجثة فتعود إلى شخصيتين محوريتين في نص "رجل الخبز الحافي" هما "شُك" و"رِي" ومع تنامي أحداث النص المسرحي، يتقابل "شُك" و"رِي" في صراع قوي حول من يهزم الآخر، لأن شكري ظلّ يشتكي، طيلة حياته، من شهرة «الخبز الحافي» التي غطت على أعماله الأدبية الأخرى.

ويضيف بوشتى أن مسرحية "رجل الخبز الحافي" ترصد حكاية شكري في مرحلتين: مرحلة طفولته الشقية، ومرحلة شهرته باعتباره كاتبا مشاكسا ومتمردا. وما بين المرحلتين تتصارع شخصية الطفل مع شخصية الكاتب، صراعاً بين شخصين هما في الحقيقة واحد. لكننا نشهد محاكمة كل منهما للآخر من أجل إثبات الأولوية في الوجود، فيما يلعب "شُك" دور الأب الجلاد للابن البائس "ري"، وتحضر معهما "ميرودة" مجسدة أدواراً عدة، فهي الأم، أي زوجة والد شكري مرة، والعشيقة مَرّة أخرى.

وتأسيسا على طبيعة هذا الاختيار الموضوعي، تصبح شخصية شكري متكأ فنيا يحيل على الصراع الأبدي بين الإنسان والعوائق اليومية التي تسعى إلى الحد من دينامية هذا الكائن العبقري، والحيلولة دون إنتاج الفكر والتساؤل الفلسفي الخلاق الذي يمنح الحياة سيرورتها المتحولة والمتطورة بدل الاستكانة إلى الجاهز والمسلمات والاطمئنان إلى المتوافر والموجود، والنضال من أجل الخبز اليومي والحاجات البيولوجية الفطرية التي يشترك فيها الإنسان مع كل الكائنات الحية الأخرى.

النص ليس استثمارا حرفيا لسيرة محمد شكري الشهيرة "الخبز الحافي" ولا اقتباساً منها، بل هو بمثابة كتابة مسرحية جديدة لشخصية هذا الكاتب الإشكالي

والواضح أن النص -حسب بوشتى- ليس استثمارا حرفيا لسيرة محمد شكري الشهيرة "الخبز الحافي" ولا اقتباساً منها، بل هو بمثابة كتابة مسرحية جديدة لشخصية هذا الكاتب الإشكالي. إذ لم يعتمد على كتب شكري فحسب، بل استند أيضاً إلى شخصيته وحضوره الوافر في فضاء مدينة طنجة، إنساناً ومثقفاً وكاتباً يستلهم من هذه المدينة الحرة إبداعه وجوهر أدبه، مستفيدا من علاقة الصداقة التي جمعته بالراحل محمد شكري، والتي امتدت أعواماً عاشره فيها بحلوها ومرها، بعنفوانها وألقها وضعفها، وارتادا معا أمكنة متعددة الجغرافيات والمناخات، فاطمأن إليه وأطلعه على أسراره وتفاصيل حياته السرية، وكان بالنسبة إليه "الأخ الكبير".

وقد أفادت الكاتب بوشتى هذه المصاحبة في استبطان أغوار شكري النفسية، بحيث كان يراه دوماً "شخصية مسرحية بامتياز"، تكتنز كل مكونات الدراما في المزاج والقلق اللذين كانا يسكنانه، حسب تعبيره.

عوالم متناقضة
وتجسد هذه المسرحية -حسب مخرجها عبد المجيد الهواس- عوالم محمد شكري عبر الوعي بتناقضاته وتفكيك حضوره من خلال شخصيتي "شُك" و"ري" اللتين تعيشان على طرفي اللعبة، الأمر الذي يجعل من اشتغالنا على تمثيله أو تمثله صيغة لاستجلاء الحدود ما بين أنا الكاتب وشبيهها الدفين.

فالبناء الدرامي الذي اعتمده الزبير -يضيف الهواس- ينسف الذات الواحدة ويشطرها نصفين من أجل صوغ شخصيتين مسرحيتين تعيشان في الآن ذاته، وكأنهما من زمنين متباعدين يدعواننا إلى تبني فضاء يتيح التزامن وتجاور الأحداث، فضاء محوري تنبثق منه الأماكن وتتداخل عبره مواجع الشخصيات.

وهي -بتعبير المخرج دائما- "صوغ دراماتورجيات موازية للمحكي عبر الزي ودينامية الإضاءة والأداء الممسرح للممثل"، وكذا إسقاطات الضوء ودينامية الظلال رهانان تصاغ من خلالهما فرجة تحتفي باللغة والموسيقى مع الأداء الذي يستثمر حدود الجسد داخل مجال اللعب الحي.

وتعيد مسرحية "رجل الخبز الحافي" كتابة حياة شكري بتفصيل مختلف تماما، وبصنعة سردية متخيلة، يطمح من خلالها كل من المخرج والكاتب، وبتعاون، تمديد الأسطورة الشخصية لشكري، نظرا للقالب الأسلوبي الطريف الذي تتمتع به شخصيته الفريدة من نوعها، والذي يتيح لها إمكانيات استعارية كبرى للتكيف مع المصائر الإنسانية والتعبير عنها في كل حالاتها الغامضة والملتبسة.

المصدر : الجزيرة