تمت إعادة افتتاح قصر المشتى الذي يطلق عليه قصر الشتاء بالأردن بعد أن كان يرقد وسط الأطلال لعدة قرون، ويضم هذا الأثر التاريخي مجمع القصر والحصن، وهو مترامي الأطراف ومشيد من الحجر الجيري الشاحب، ويقع على المشارف الصحراوية للعاصمة عمان.

ويرجع تاريخ أعمال التشييد الأصلية بالأحجار والقرميد إلى الفترة الأولى من الدولة الأموية سنة 750 ميلادية، ويعد القصر جوهرة القصور العديدة المتنوعة التي أقيمت بالصحراء وبناها الخلفاء المسلمون، وتزدان بها المنطقة الشرقية من الأردن.

وكانت إعادة افتتاح القصر إيذانا باستكمال المشروع الذي استغرق تنفيذه أربعة أعوام بتكلفة تبلغ 1.3 مليون يورو، وجاء بمبادرة من جامعة برلين الفنية ومؤسسة الأبحاث والحكومة الألمانيتين، ويهدف إلى بعث حياة جديدة في مجمع القصر غير المسقوف.

ويعتقد أن الخليفة الأموي الوليد بن يزيد استخدم القصر الكبير منتجعا يخلو فيه بنفسه بعيدا عن الضغوط السياسية والمكائد التي تحاك داخل الدولة في دمشق بالقرن الثامن الميلادي.

وعام 1903، في الوقت الذي استسلم فيه القصر لحالة متردية تحتاج إلى ترميم، وللتخريب وعوامل التعرية، قدم السلطان العثماني عبد الحميد الثاني الواجهة المزخرفة للقصر المهيب هدية للقيصر الألماني ويليام الثاني كبادرة على حسن النوايا، وعلامة على التقدير لمساندته السياسية.

تدشين قصر المشتى بجهود أردنية ألمانية (الألمانية)

جهود ألمانية
وبعد مرور أكثر من قرن على هذه الواقعة، عاد علماء الآثار وخبراء الترميم والبيئة الألمان إلى المنطقة "لإعادة" جزء من معلمها التاريخي والثقافي الخصب، عن طريق ترميم المجمع الذي يقع على مساحة كيلومتر مربع واحد ليتحول إلى معلم ينطق بالفخامة والحرفية بشكل لم تشهد البلاد مثله عبر مئات الأعوام.

وعلى الرغم من أن القصر لا يزال بدون سقف، فإن الموقع أصبح الآن يتسم بالأناقة والنظافة وخال من الأنقاض، كما تم إعادة بناء الأسوار.

ويقول رئيس مؤسسة التراث الثقافي التي تدير المتحف إن واجهة قصر المشتى يشاهدها كل عام أكثر من 1.5 مليون زائر، وقد أعيد تجميعها داخل قسم الفنون الإسلامية بمتحف برلين، ولكن لا يعلم سوى عدد قليل للغاية عن القصر الأصلي بالأردن الذي انتزعت منه هذه الواجهة.

ويعتبر هيرمان بارزينجر أن مسؤولية المؤسسة تكمن في الحفاظ على أحد أهم نماذج الفن والمعمار الإسلامي، ليس فقط من أجل العالم ولكن من أجل الأردنيين بشكل خاص.

ولأكثر من أربعة أعوام، قام فريق ألماني مكون من عشرين من علماء الآثار والفنانين والمؤرخين والفنيين بالعمل على وضع فهرس لجدران الممرات ذات الأسقف المقوسة وإحلالها، وإعادة بناء الجدار الغربي للمجمع.

قصر المشتى كان منتجعا استخدمه الخليفة الأموي الوليد بن يزيد (الألمانية)

أساليب تقليدية
واستخدم الخبراء أساليب فنية تقليدية لإنتاج وإحلال أكثر من 1.5 مليون قطعة من القرميد، واستخدامها إلى جانب الأحجار الأصلية التي كانت ملقاة بأكوام من الأنقاض قريبة من الموقع خلال سنوات طوال بعد أن تصدعت من جراء عمليات التخريب والكوارث الطبيعية والتآكل بفعل الزمن.

وبسبب عدم الاستقرار السياسي والاقتتال الداخلي، وهي كوارث ألمت بالدولة الأموية في مراحلها المتأخرة، لم يتم استكمال تشييد القصر، وضرب زلزال قصر المشتى بالقرن الثامن مما أثر على أساسه ودمر 50% من الموقع.

والقصر كان مهيبا في الماضي حتى بدء المبادرة الألمانية، وكان بقايا آثار منسية تقريبا من العصر الإسلامي المبكر، وغالبا ما كان يتعرض للإهمال بسبب وجود مجموعة من القصور الأكثر ضخامة واكتمالا تقع بالصحراء ويرجع تاريخها لنفس الفترة، كما أنها أكثر سهولة في الدخول إليها.

وقام خبراء الترميم والفنانون باستخدام رسومات التصميم الأصلي للقصر القديم والذي تم الكشف عنها عام 2009، وبعناية أعادوا بناء الأسوار الخارجية للقصر والفناء لاستكمال القصر بنفس الشكل الذي كان يريده المعماريون الأصليون.

وأدى العمل إلى إعادة تقييم لما يعتقد أنه أكبر مشروع أخير للأمويين، قبل انهيار سلالتهم وصعود العباسيين أواخر القرن الثامن الميلادي.

وأوضحت مديرة المشروع وأستاذة علم الآثار بجامعة برلين باربارا بيرليتش أنه لأكثر من قرن كان الناس يتخيلون أن قصر المشتى تقليدي يحتوي على مداخل ذات قباب، بينما هو في الحقيقة أكثر تعقيدا وأكثر اقترابا من التصميمات المعمارية للعباسيين والتي أصبحت رائجة فيما بعد.

وعمل الفنانون بجهد جهيد ليعيدوا من جديد الزخارف المنقوشة والمحفورة على واجهات القصر المتداعي، وذلك استرشادا بالتصميمات المعقدة والمحلاة بأشكال الزهور التي كانت تزين في الماضي مداخل القصر والأسوار التي يبلغ ارتفاعها خمسة أمتار.

وعلى الرغم من أن الجزء المستقطع من الواجهة الرائعة والتي قدمت هدية للقيصر ويليام لا تزال موجودة داخل متحف برجامون ببرلين، حيث من المقرر أن تصبح أساسا لجناح الفن الإسلامي الجديد بحلول نهاية العقد الحالي، فإن الخبراء الألمان قدموا رسوما تخطيطية تمثله.

وهذه الرسوم للجزء المفقود معروضة على لوحة علقت بجوار الأجزاء الباقية، حتى يستطيع الزوار أن يتخيلوا منظر الواجهة السابق بالكامل. والدخول إلى الموقع بالمجان، غير أنه لا يوجد مركز للزوار.

ويحذر خبراء الحفاظ على البيئة من أن حركة بناء المصانع حول القصر الأموي أصبحت خارج السيطرة. وفشلت جهود فريق ألماني ترمي لإبعاد منظر المنطقة الصناعية الزاحفة عن طريق زيادة ارتفاع أسوار القصر، حيث أضاف مصنع مجاور للبسكويت طابقا إضافيا بعد أقل من أسبوعين من وضع الفريق قوالب القرميد النهائية.

وحذرت بيرلتش من أنه إذا لم يتصرف المسؤولون بسرعة "فلن نكون واقفين داخل قصر أموي، ولكننا سنكون واقفين داخل منطقة صناعية أموية". واقترح المسؤولون الأردنيون شراء أراض متاخمة للقصر لإقامة منطقة عازلة حول قصر المشتى.

ويقول المسؤولون إنه من المتوقع الحصول على أموال لتوفير حماية أفضل للقصر في حالة إقناع مشغلي الرحلات السياحية بإضافة القصر المنسي إلى جدول مقاصد الزيارة، والحافل بالفعل بمواقع أكثر شهرة مثل البتراء والبحر الميت، والموقع الذي يتردد أن يوحنا المعمدان عمد فيه المسيح.

المصدر : الألمانية